شهادات معتَقَلين مع الشهيد(قدس سره)
 
 
*     الكاتب  سليم العراقي
*     المحامي مخلص الجدّه
*     الاستاذ باقر حسين
*     سيرة الشهيد الجلالي في المعتقل
 
 
 
 من كتاب (أوراق مهرّبة)
 تأليف : سليم العراقي
 
5 ـ الشهيد السيّد محمّد تقي الجلالي(قدس سره)( HYPERLINK “http://www.aljalali.org/aljalali=13.htm” \l “_ftn1#_ftn1” \o “” [1]) .
وهو أحد علماء الإسلام البارزين، وكان وكيلاً لزعيم الشيعة المرحوم آية الله العظمى السيّد أبو القاسم الموسوي الخوئي في مدينة القاسم التابعة لمحافظة بابل (الحلة) وكان عنصراً نشطاً وعاملاً دؤوباً في خدمة الإسلام والمسلمين .
تمّ اعتقاله مع عالم جليل آخر هو الشيخ ماجد سبزخدا البدراوي في سنة 1981م،بتهمة تأسيس حركة تحمل اسم (حزب الوحدة الإسلامية) لقد كان رحمه الله مثالاً للصبر والصمود والثبات .
وقد نفّذ فيه حكم الإعدام سنة 1982 م كذلك الأمر بالنسبة للشيخ ماجد البدراوي فرحمهما الله ورضي عنهما وأرضاهما وإنا لله وإنا إليه راجعون .
وستكون دماؤهم مشعلاً يقتدي به الأحرار( HYPERLINK “http://www.aljalali.org/aljalali=13.htm” \l “_ftn2#_ftn2” \o “” [2]).
 
 الشهيد السعيد السيّد محمّد تقي الجلالي ( طيّب الله ثراه )
ليس من السهل الحديث عن العظماء، فالقلم يبقى عاجزاً أمام صروح العظمة والكبرياء، بل قاصراً ومقصراً أمام صفحات مضيئة مدادها من الدماء، فليس من الوفاء أن نرفع صورهم فحسب، وليس من الوفاء أن ننمّق السطور فحسب، فقد أعطوا دماءاً زكيّة ونفوساً طاهرة تسبح في ملكوت السماء.
إنّ من الوفاء أن نركب البحر كما ركبوه ونشقّ عبابه، وإنّ من الوفاء أن نحافظ على قيم نادوا بها، وأفكار بشّروا بصلاحها وفلاحها.
وأنا الآن أمام صرح شامخ سطّر في التاريخ سطوراً من الإباء والوفاء ألا وهو الشهيد السعيد السيّد محمّد تقي الجلالي طيّب الله ثراه، وهذه بعض سطوره المضيئة وذكرياته في مدارس الإمام الصادق(عليه السلام) أعني زنزانات الاعتقال:
1 ـ كان رحمه الله مثالاً للصابر المحتسب إذْ لم يتزعزعْ ولم يفقدْ صبره حتى أقسى مراحل التعذيب والتحقيق في دوائر الأمن العامة، كما حدّثني بذلك عددٌ من الأخيار منهم «زيدان خلف» من مدينة الثورة في بغداد.
2 ـ في أحد الأيّام كان معلّقاً بالشمعة « وهي عبارة عن عمود حديدي في أعلاه حلقة يربط بها المعتقل من يديه وتبقى رجلاه طليقتين فوق الأرض بقليل» فجاءه أحد رجال الأمن وأخذ يسمعه كلاماً نابياً، ثمّ يطلب منه إعرابه ويلحّ عليه بالسؤال، وهو يلحّ عليه بالسكوت . لقد حدّثني بذلك (…) .
3 ـ في أحد الأيّام حلقوا رأسه وجميع شعر وجهه كما فعل الأوائل بوالي الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) في البصرة، أرادوا بذلك إهانته وزعزعته لكنّه(قدس سره) كان كالجبل الذي لاتهزّه العواصف، لقد حدّثني بذلك عددٌ من الأخيار منهم (ابو …. من الناصرية ) .
4 ـ كان(قدس سره) أحد مصادر الفتوى في زنزانات الأمن العامة، وكان يحلّ مشاكل المؤمنين الذين معه برأيه السديد وذخيرته الفقهية، ومَنْ مِنّا لايتذكّر حلّه لمشكلة اللحم الذي يوزّعونه على المعتقلين، حيث كان الخلاف هل هو لحمٌ أجنبيٌ أم لا؟ وهل يأكلونه أم يتركونه ؟
لقد حدّثني بذلك جمعٌ من المؤمنين منهم (شاكر التركماني).
5 ـ في قاطع الإعدام :
أ ـ كان يزور جدّه الإمام الحسين(عليه السلام) كما كان يلقي المحاضرات الإسلامية من (زنزانة الموت) على بقيّة الزنزانات ليشدّ من عزمهم ويرفع معنويّاتهم قبل تنفيذ حكم الإعدام فيهم .
ب ـ كان(قدس سره) يفضّل أكل الشوربة; لأنّ أسنانه تكسّرت من التعذيب، كما كانت أظافره مقلوعة في تعذيب الأمن العامة .
ج – لقد تحدّث بأنّهم طلبوا منه اعترافاً على السيّد أبي القاسم الخوئي(قدس سره) لكنّه رفض ذلك .
د ـ كان يتمنّى(قدس سره) أن يعجّلوا إعدامه كي لاتنتزع منه اعترافات عن طريق حبوب مخدّرة أو غيرها; لكي لايلحق الآخرين منه ضررٌ .
هـ ـ كانت زنزانته في قاطع الاعدام هي رقم (14) .
و ـ حينما نادوا باسمه ليؤخذ إلى منصة الإعدام لم يتزعزع  و كان (قدس سره)متماسكاً.
ملاحظة : لقد كان معه في زنزانة الإعدام ( شاكر التركماني ) وهو الذي حدّثني بذلك.
فالسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً.   
         سليم العراقي
 
* * * * * * * * *
 
 
 
 
 
 
 ثمانية أشهر في المعتقل
 
ذكرياتي في الأمن العامة ببغداد عن الشهيد السعيد العلامة الحجّة السيّد محمّد تقي الجلالي(قدس سره) والعلامة الشهيد السعيد السيّد علاء الحكيم(رحمه الله)
 بقلم : مُخلص الجدّه المحامي
 الاسم المستعار : ( زكريّا الجدّه )
 
هذا هو نصّ عنوان المذكّرات التي كتبها الأخ الأستاذ المحامي مخلص الجدّه، سجّل فيها بأسلوبه الشيّق أهمّ الأحداث التي وقعت له ولهذين الشهيدين المظلومين (قدّس سرهما) .
وقد استوعب الأستاذ المحامي جميع ما شاهده من الأحداث التي جرت على هذين الشهيدين، من خلال الحديث عن المراحل التي طواها في المعتقل منذ اعتقاله حتى الإفراج عنه . ودوّن ذلك بكلّ دقة وأمانة فشكر الله سعيه، ونحن قد اقتطفنا من مذكّراته ما نحن بصدد إعداده، آملين أن تتاح فرصة اُخرى لنشر جميع ما احتوته مذكّراته من الحقائق الرهيبة .
يقول الأخ المحامي في مطلع حديثه :
تعرّضت بتاريخ 3/10/1981 للاعتقال من حرم كلية الفقه في النجف الأشرف، حيث داهم رجال الأمن حرم الكلية، وكان عددهم يزيد على أربعة أشخاص، قاموا بأقتيادي بقوّة نحو سيّارتهم التي نُقلت بها إلى مديرية أمن النجف معصّب العينين، ومن ثمّ نقلت إلى مديرية أمن بغداد .
وعندما اقتربت السيّارة من منطقة الأمن العامة، ألبسوني نظارة سوداء كي لاأستطيع النظر إلى أبنية الأمن الرهيبة وأتعرّف على زواياها وخباياها .
نعم فهي تعتبر مدينة كاملة محصّنة بسور عال تتوزّع عليه عشرات الأبراج الحديدية للمراقبة، وتحتوي على عدّة أجهزة الكترونية للمراقبة التلفزيونية والرادارية، وأجهزة التنصّت، وهناك تلاحظ بنايات مرتفعة تحتوي على عدژة طوابق وكلّ بناية لها وظيفتها الخاصة، وتسمى البناية «الشُعْبة » فأدخلوني إحدى هذه البنايات، وهي الشعبة الخامسة المختصّة بقضايا الشعب الشيعي ومكافحته.
وكان يرأس هذه الشعبة المجرم العقيد سعدون أو (زهير) وهو اسمه المستعار، وهو من أهالي كركوك، وكان المجرم رائد الأمن محمود ياسين التكريتي، واسمه المستعار (الرائد عامر) معاوناً للعقيد سعدون .
دخلتُ رواق الطابق الثالث من بناية الشعبة الخامسة الرهيبة حقّاً، فكلّ شيء فيها يوحي بالرعب والوحشة ! أنين المعتقلين، رائحة الدماء، صرخات التعذيب .
لذا أُصبتُ بالإغماء والدوار بعد فترة من دخولي إلى هذه البناية الرهيبة، وقد أفقتُ على ركلات قويّة من أحد رجال الأمن العامة يدعوني إلى غرفة التحقيق، ثمّ اقتادني إلى الغرفة المذكورة، وأنا أسير معه وأسمع أنينهم وألمح بعضهم من تحت أطراف العصابة السوداء، مررتُ برجل من رجال الدين إلا أنه حليق اللحية يرتدي بدلة ممزّقة عاري الرأس مربوط بقنينة ثقيلة للغاز السائل، بسلاسل حديدية، وعرفتُ في ما بعد أنه العلامة السيّد علاء الدين نجل الإمام الحكيم (رضوان الله عليه) وشاهدتُ رجل دين آخر عرفتُ أنه العلامة السيّد عبد الصاحب عطيفة من علماء الگريعات في بغداد، وخطيب وإمام الجمعة في الجامع الصفوي في الكاظمية، وشاهدت … وعند وصولي إلى باب غرفة التحقيق شاهدتُ رجل دين بلا عمّة ولكنه يرتدي بزةً دينية ويجلس على بطانية (ملاءة) مكبّل اليدين ومربوط بشماعة ملابس ثقيلة، ويرتل بعض الآيات القرآنية، فعرفتُ بعدها أنّه العلامة السيّد محمّد تقي الحسيني الجلالي(قدس سره) .
وبعد التحقيق القاسي الذي أجروه معي أرجعوني إلى إحدى الغرف الحاشدة بالمعتقلين … مكثتُ على هذه الحالة من التعذيب الروحي والجسدي طيلة ثمانية شهور في الأمن العامة أرى وأسمع واُعاني من أنواع العذاب لي ولإخواني السجناء الأبرياء، إلاّ أنني حمدتُ الله على رعايته لي إذْ لم يمارسوا معي عملاً لاأخلاقياً، وإنما جرّبوا كافة وسائل التعذيب الأخرى، كذلك الحال بالنسبة إلى الشهيدين السعيدين السيّد محمّد تقي الجلالي والسيّد علاء الحكيم (رضوان الله عليهما).
فقد حفظهما الله تعالى من ممارسات هؤلاء المجرمين اللاأخلاقية .
وكان أحد الشباب المعتقلين معنا قد أجبره رجال الأمن على أعمال التنظيف في غرفهم، في ذات يوم أخبرني بأنّه يشاهد إضبارات كثيرة، وكان يقول : إن أكبر الإضبارات هناك هي إضبارة السيّد محمّد تقي الجلالي (رض) والسيّد علاء الحكيم(رض) لكنه لم يستطع قراءة محتواها خوفاً من أن يجدوه متلبساً بذلك .
كان الشهيد(قدس سره) السيّد الجلالي(رض) معنا في نفس الغرفة، وكان رجال الأمن يطلقون عليها اسم (غرفة الصامدين) وهذه الغرفة جعلوها للذين لم يعترفوا بشيء، وكان فيها زهاء الثلاثين معتقلاً، في حين أن أبعادها لاتتجاوز (4 م × 5 م) وكان فيها أنبوب حديدي يطوق جدرآنها الأربعة، وفيه حلقات حديدية كثيرة، قد أوثقوا أيدينا بها ليلاً ونهاراً، وكان التعذيب الروحي والجسدي شديداً جدّاً …
وكنتُ أرفض حلق لحيتي من قبل حلاّق الأمن، حيث كانوا يحلقون لحانا بين فترة واخرى، ولم يقصدوا بذلك الناحية الصحية، بل كانوا يستهدفون الإهانة والاستخفاف بالدين، وكذلك كان الشهيد السعيد الجلالي(قدس سره) يرفض حلق لحيته الكريمة، وأما العلامة السيّد علاء الحكيم (رض) فقد أجبروه على حلق لحيته، وقد كان في محنة شديدة رضوان الله تعالى عليه .
نعود للحديث عن سماحة الشهيد السيّد الجلالي(رض) فقد كلّمته خلسةً وبدون علم رجال الأمن، وذلك عند منتصف الليل، فقلت له : ما تهمتك يا سيدي؟ فقال (رض): لحدّ الآن لم أعرف ما هو الاتهام ضدّي، ثم قال(قدس سره) : كان هناك شابٌ فقيرٌ قد احتضنته وأكرمته، وأدخلته في حوزة الإمام القاسم(عليه السلام) وقد دسّوه عليّ فهو سبب هذه المحنة وهذا العناء، واغرورقت عيناه بالدمع، ثم قال لي: قد اعتقلني رجال الأمن وأنا في طريقي إلى مدينة القاسم(عليه السلام) وكان معي من المال مبلغ مقداره ألف دينار، وقد سلبوه مني، وكنتُ ناوياً توزيعه كمعونات على الطلبة، وقد كانت هذه كلماته الأخيرة التي قالها لي(رضوان الله عليه).
وفي نفس الليلة التي كنتُ أتحدّث فيها مع سماحة السيّد الجلالي(قدس سره)غفوتُ فرأيتُ نفسي وكأني في صحن الإمام الكاظم(عليه السلام) ثم انتقلتُ فجأةً إلى المدرسة الشبّرية ورأيتُ السيّد المجاهد السيّد جواد شبّر وقد دار بيننا حديث، ثم استيقظتُ، وكان الشهيد الجلالي(قدس سره) غافياً وواضعاً رأسه الشريف في حجره، وقد مضى عليّ في المعتقل ستة أشهر، ثم نقل الشهيد السيّد الجلالي إلى وجهة لم نعرفها … وبعد شهرين اُفرج عنّي، وبعد فترة علمتُ بأن العلامة السيّد الجلالي قد اختاره الله تعالى إلى جواره شهيداً مظلوماً (رضوان الله عليه).
أمّا السيّد علاء الحكيم (رض) فقد تركتُه في مكانه معتقلاً مظلوماً إلى أن رزقه الله درجة الشهادة في سبيله، مع الكوكبة الطاهرة من أبناء وأحفاد الإمام الحكيم (رضوان الله عليهم أجمعين).
وقد كنتُ قبل اعتقال السيّد الشهيد الجلالي(رض) قد التقيتُه قرب مسجد الحاج البهبهاني فسلّمتُ عليه، وكان كعادته أنيقاً في ملبسه، جميل المحيّا، أبيض الوجه .
أما السيّد علاء الحكيم(رض) فقد رأيتُه قبل اعتقاله عند الرواق الذهبي للإمام علي(عليه السلام)وهو صبيح الوجه أبيضه مع حمرة نوارنية.
فسلامٌ عليهما يوم وُلدا، ويوم رُزقا الشهادة في سبيله ويوم يُبعثان .
 
 
 
 شهادة معتقل آخر
 بقلم : الأستاذ باقر حسين
 
إن المسلسل الإجرامي والمؤامرة الكبرى التي طالت الإسلام من يوم بزغ فجره على يد الرسول الأكرم محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يومنا هذا، لن تنتهي، ولن تقف عند حدّ، بل كلّ يوم تتمثّل بأسلوب جديد وجرم أعظم …
والأعظم من ذلك إخفاء الحقائق وستر الجرائم لتمويه الحال على العوام الذين هم غالبية المجتمع; إذ هم الأرض الخصبة والظروف القياسية المساعدة على إنجاح التجربة المرسومة والمؤامرة المقصودة من قبل الاعداء .
ومن الحقائق المستورة عن العوام اعتقال الواعين من العلماء والمجاهدين من بين صفوف المجتمع .
فأنا ( باقر حسين …. ) تم اعتقإلى من قبل أزلام البعث الظالم، وبعد الانتهاء من التحقيق الوحشي، اُودعت الزنزانات في الأمن العامة بتاريخ 18 / 2 / 1982 م تقريباً وهي عبارة عن بيت من الخارج وكُتب على بابه مخزن حبوب الدواجن، وفي داخله بناء مكوّن من طابقين، كل طابق يحتوي على اثنتي عشرة زنزانة، كل زنزانة متران بثلاث أمتار طولاً، لاتسع إلاّ لعشرة أشخاص مع المشقة وقد وضعوا فيها (37) أنساناً من الأبرياء، محاطة بأربعة جدران إسمنتية …
وأما منفذ الهواء فلا يوجد إلا منفذ واحد، والباب حديدية، ذات فتحة منها يتمّ إدخال الطعام .
وتغلق دائماً إلا في آخر الليل فإنها تفتح، خلالها نشخّص أفراد الزنزانات الأخرى الواقعة أمامنا .
لقد سمعت ممن كان معي في الزنزانة الكثير من قصص المجاهدين، من صمودهم، وثباتهم، وتمسّكهم بدينهم رغم قساوة الظالمين …
ولقد أثارني سماع قصة المظلوم الشهيد السعيد السيّد محمّد تقي(قدس سره)إذ لم يكتف الظالمون بتعذيبه أثناء التحقيق، بل عذّبوه بأشدّ عندما أنزلوه إلى الزنزانات المشؤومة، والمتعارف عندهم إزالة شعر لحى المجاهدين كلّ ثلاثة أشهر تقريباً، وبالإجبار والإكراه، وكان حتى في هذا نوع من التعذيب; إذْ يحلقون بنصف شفرة زهاء (37) شخصاً وهذا يعني ما يعني … وامتنع السيّد الشهيد الجلالي من الاستجابة والخروج، وبقي في الزنزانة ولم يخرج، ولكن عندما انتهى الظالمون من عملهم، وعزموا على إخراجهم من ذلك المكان، رأوا ذا لحية كثيفة في إحدى الزنزانات فأسرعوا والغضب في وجوههم القبيحة، فأخرجوه، وإذا هو السيّد الجلالي(قدس سره) فتلاقفوه لكماً وشتماً وباشروا بحلق لحيته وحاجبيه، وشعر رأسه بشفرة عمياء، فأرادوا به سوءاً، ولكن الله ردّهم وأظهر جماله، ونور وجهه، وبدا لباقي المعتقلين أجمل مما كان عليه قبل العبث بشعر لحيته وحاجبيه …
وبعد فترة من الزمن اُذيع اسم الشهيد الجلالي مع ثلّة من المجاهدين، وذهبوا بهم إلى محكمة الظالمين المسمّاة بمحكمة الثورة الجائرة، وحكم عليهم هناك بالإعدام، فذهب شهيداً صابراً، محتسباً، مضرّجاً بدم الشهادة .
فالسلام عليه وعلى جميع شهداء الإسلام ورحمة الله وبركاته .
 
 سيرة الشهيد الجلالي في المعتقل
 السيّد الرضوي
 
الشهيد العلامة آية الله السيّد محمّد تقي الجلالي شخصيّة معروفة علمياً واجتماعياً وأخلاقياً، فهو حائز على درجة الاجتهاد، وله الكثير من المؤلّفات التي تشهد بعمق تفكيره، ودقّة نظره في شتى المجالات العلميّة، كما أنه مارس التدريس سنوات عديدة في كربلاء المقدسة، والنجف الأشرف، ومدينة القاسم(عليه السلام) وخدم الحوزات العلميّة خدمة بقيت آثارها على مرّ السنين، وأنّى لمؤلفاته أن تُمحى وبعضها صار منهجاً دراسياً لفترة من الزمن، ولو أنّ الله كتب له العمر المديد، أو أنه مات في غير السجون البعثية الطاغوتية لكانت آثاره وبالخصوص مؤلفاته المنهجية التي تحضى بالأسلوب الدراسي وتطويره نحو المعاصرة مناهج ثابتة في الحوزات العلميّة حتى وقتنا الراهن .
كانت معرفتي به عن طريق معرفة والده في كربلاء المرحوم السيّد محسن الجلالي، فقد كان من أهل منطقتنا، وهو أحد جيراننا، عاصرته ووالده فترة طويلة حتى دخلنا السجن في بداية الثمانينات، أمّا منزلته الاجتماعية فدونك الكلام عنها، فقد كان السيّد (رحمه الله) كثير المحبين وذا مكانة عالية في قلوب الناس; بطبيعة سلوكه، ومضيّه على سيرة آبائه(عليهم السلام) خلق جوّاً من الاستقطاب الديني حوله، وكان نتيجة ذلك ان التفّ حوله الناس معتمدين عليه في شؤون دينهم ودنياهم .
وعلى إثر ذلك اُرسل إلى مدينة القاسم والحمزة(عليهما السلام) وعشائرهما، وقاطنيهما الذين مافتئوا يرجعون إليه في مسائلهم الشرعية، وهو خلال تلك الفترة من تسلّمه مهمّة توعية الجماهير وإرشادهم ووعظهم كان يأخذ لنفسه في القلوب مكاناً سامياً في سماء العظماء والعلماء .
حتى خشيت السلطات المجرمة من أن يزداد تأييد الجماهير العشائرية، والمجامع الطلابية له لخطّه الواضح المنير .
فكان لاعتقاله واستشهاده في السجون البعثية إثراء لذلك الخطّ الالهي الذي انتهجه وسار عليه حتى آخر لحظة من حياته الشريفة .
عندما كنت فى المعتقل أنا والكثير من أمثالي والكثير من الشباب المؤمن الرافض الأبيّ والكثير من الفتيات المؤمنات المخلصات، وكنت مربوطاً إلى حائط في ممّر المعتقل معصوب العينين في (مديرية الأمن العامة) قسم (الشعبة الخامسة) سمعت صوت السيّد(قدس سره) وهو يئنّ ويصرخ من شدّة التعذيب والضرب المبرح، استطعتُ أن أتبيّن الصوت من بين الأصوات الكثيرة، بنات يصرخن مناديات، نساء يطلبن العون والنجدة، لكن من دون معين، ومَن المنجد، وهُنّ الآن في قبضة الظالمين البعثيين، ورجالهنّ تحت التراب . وحيث السجون المظلمة، الزنزانات الضيّقة في مثل هذه الظروف، لاتجد المرأةُ عاملاً يُساعدها على الصمود، فهي بين يدي ظُلاّم لايتورّعون عن هتك الحرمات، والنيل من الأعراض. لايعلمن ماذا جرى لإخوتهنّ أو آبائهن أو أبنائهن، إنهنّ الآن لايرغبن بالحياة، بل إنّ الموت صار من أحلى الأمنيات .
كنتُ أنظرإلى بعض الممرّات المزدحمة بالرجال المتفاوتين بالأعمار، وأسمع صراخاً رهيباً يكشف عن شدّة التعذيب والتنكيل، منهم من أحسّه بقربي يطلب من أجَلِه أن يُسرع إليه، والبعض الآخر يمكث الليل كلّه يئنّ تحت وطأة الآلام والعذاب، وبين هذا وذاك، ووسط هذا الوضع الرهيب، والجوّ الأحمر الدامي المخيف، حيث القتل عقاباً لأتفه الأسباب والركل واللكم جزاء الكلام والمخاطبة، وسط هذا الجوّ الرهيب يخرق الأسماع صوتٌ يدوّي، صوتٌ يدخل مرّة برفق وسحر عجيب، إنّه صوتٌ يشدّ عزم الرجال والشباب، ويشدّ عضد الفتيات بنات الزهراء وزينب(عليهما السلام) صوتٌ يقول: «يا كريم يا لطيف ».
وعندما أصغيتُ جيّداً لذلك الصوت، علمتُ أنه صوت السيّد الجلالي(قدس سره) يملأ المكان إشراقاً، ويُذكّر النساء المخذولات، الصامدات، إنّهنّ وجدن المعين والمنجد، وجدن الناصر المغيث.
آه … كم من مرّة أحسستُ بقرب انهيار أعصابي وشدّة وطأة المصاب عليّ، وعدم وجود الطاقة الكافية للصبر والتحمل، لكن سرعان ما أتغيّر وأحسُّ بأنّي ولدتُ من جديد، وإنّ آلامي وعذاباتي قد تركت جسدي، وأسفر الجسد عن وشاح التجلّد والصمود .
كلّ هذا يحدثُ عندما أسمعُ الكلمات الملائكية الهادرة من حنجرة السيّد الشهيد الجلاليّ(رحمه الله).
لله درّه ذلك الصوت، فهو السيل المعنوي الجارف، والريح الإيمانية العطرة، والصورة الغيبية المتصلة بعالم اللاهوت، وكأنّي بالمعذّبين حتى هذه الساعة يردّدون قول السيّد(رحمه الله): « يا كريم يا لطيف ».
توالت الأيّام، والظالمون يزدادون ظلماً وتعذيباً، وكان السيّد(رحمه الله) يزداد صلابةً وصموداً وصبراً، وكذلك باقي المسجونين، وأنا ضمنهم .
لكن السيّد بالأخصّ عانى الكثير من عذاب الطواغيت، فلقد كان مقصوداً من قبلهم ومؤكّداً عليه، فمارسوا ضدّه أكثر أنواع التعذيب وشتى طرق الاستجواب، لكنّها لم تجدِ نفعاً، ولم تنلْ من عزم السيّد(رحمه الله) قيد أنملة أو أقلّ، ولم تزعزعْ رياح الآلام من أغصان صموده شيئاً.
فاضطرّ الظالمون ـ وعلى رأسهم آنذاك المجرم الملازم حازم ومجرم آخر أتذكر لقبه وهو الياسري ـ اضطرّوا إلى استعمال نوع من أنواع التعذيب لاأخلاقي ولاإنساني ـ وهذا هو دأبهم دائماً ـ بعد أن عجزوا عن طريق أساليبهم القذرة الكثيرة عجزوا عن الحصول على أية كلمة أو اعتراف من جناب السيّد الجلالي(قدس سره) وهو أسلوب تعذيبي يستخدمه البعثيون ضدّ الشخص الصلب نفسياً وجسدياً، وهذا ما يشكّل عقبة في وجه التحقيق والأسلوب، كما حدّثني به داخل المعتقل شخصٌ استعمل معه هذا النوع من التعذيب يقول : إنّهم ينزلون الشخص المراد تعذيبه في نفق تتكوّن سلالمه من أربعين درجة أو أكثر يفصل بين كلّ عشر درجات فناء صغير (صحن) وهي تسير كهربائياً إلى الأعلى أو إلى الأسفل، قبل ذلك يوضع الشخص وهو عار من ملابسه فى (چادر) كبير منتفخ ومعه حيوانات متوحشّة (يقال :إنّهانوع من القطط البريّة) جائعة، ويقوم الجلاّدون برميه بهذه الصورة من أعلى الدرجات ـ مع الچادر المنتفخ والحيوانات المتوحشة ـ إلى أسفل حيث يفتح الچادر ويُرمى الشخص جثةً هامدةً مشوّهةً منهوشةً تسيل منها الدماء نزفاً وجروحاً من جراء هجوم الحيوان المفترس عليه، ودحرجته من الأعلى إلى الأسفل، وهذا كلّه يجري خلال لحظات وبصورة تقنية جدّاً، هذا النوع من التعذيب لايستخدم إلاّ مع الأشخاص ذوي النفوس الصلبة ذات الإيمان الراسخ; لأنّه نوعٌ يتّسم بالإرهاب والخوف أكثر من آلامه الجسدية، وجروحه وقروحه، فعسى أن يعترف المُعذَّب خوفاً من معاودة الكرَّة ثانيةً معه.
وهو إنْ دلَّ على شيء فإنّما يدلّ على مدى صمود السيّد(رحمه الله) في وجه الطواغيت وعمق إيمانه بالله سبحانه وتعالى، وبالرغم من التعذيب الشديد والتنكيل به رحمة الله عليه، وشدّة صبره وجهاده المرير مع هذه الطغمة الفاسدة الملعونة، إلا أنه لم ينسَ واجبه ومهمته الأصلية ولعلها هي السبب في اعتقاله، فلقد كان المرشد الواعظ، العطوف الحنون، المتحفّظ الشديد، المجتهد العالم، وهو العارف العابد، وهو الحزين المعذَّب، والمؤثر المواسي .
ولا أنسى أن أذكر كلَّ صفة على حدّة كما شاهدتُها بنفسي، ولمستُها من خلال معاشرتي له ومن خلال سلوكه وسيرته .
كان البعثيون بعد الفراغ من تعذيبه واستجوابه يضعونه في زنزانة ضيّقة نتنة، لايستطيع التحرّك بداخلها حسبما يشاء، مع فرض عدم التخاطب مع الباقين وكلامهم،وكنّا نشاهده صامتاً ذاكراً لله سبحانه وتعالى ذكراً كثيراً.
كما أنّه استطاع أن يخلق جوّاً حوزوياً علمياً، ولكن أية حوزة ؟ وأي درس ؟ فكلماته كانت تنزل على قلوب المستمعين كالغيث الماطر، فتسقي جذور صمودهم وتنعش أمل أنفسهم وتطرد جنود السأم والخذلان، وكأني بأرواح المعتقلين المعذبين ـ وأنا منهم ـ تلتفُّ حوله وهو يحدّثهم ولايكلّ ويرشدهم مذكّراً بعالم الغيب ولايملّ .
الله وحده يعلم كمْ عانى هذا الأستاذ من مرارة الضرب جزاء فعله هذا، وحوزته الروحية هذه، كما كنتُ أُشاهده خارج الزنزانة مع المعتقلين المعذبين فلايفرّق بيني وبينهم بسبب المعرفة السابقة أو الرابطة الاجتماعية بيني وبينه رحمه الله تعالى .
اُشاهده مرّات عديدة عندما يتوجّه نحو أحد المعذبين وقد عاد توّاً من قاعة التعذيب وهو يشكو للأب الروحي آلامه وجراحاته، فيأتيه الجواب بصوت كلّه حنان ورأفه: «لا تحزن أو تخف، إنها كدمات خارجية سرعان ما ستذهب آلامها، وتقف نبضات الوجع المدوّي» وهو خلال ذلك يمرّر يده الشريفة على ظهره مردّداً بعض الأذكار والآيات القرآنية الشريفة، وكنت أُلاحظ دموع عينيه وهي تنحدر على وجهه وصدره قبل صاحب الألم.
فللّه درّك مولاي وأنت على هذه الحال تصبّر هذا وتضمّد ذاك بيدك، ودموعك، وتحنو على آخر بقلبك الكبير الذي اتّسع لكلّ المعتقلين فشملهم بعطفه وحنانه.
لم يكن السيّد ليتردّد أو يستنكف أو يتكبّر عندما يأتيه أحد السجناء، ويطلب منه المساعدة، والعون على الطعام أو الشراب، أو تدليك ظهره المتشنج من شدّة الآلام والضربات، لاأنسى أبداً حنوّه عليَّ كما يحنو الأب على بنيه، يشدّ عضدهم، ويقوّي عزمهم، ويصبّرهم على محن الدنيا، ويذكّرهم بمصائب آل محمّد (عليهم الصلاة والسلام أجمعين).
وهو يُضفي على المعتقل في صورته تلك، وفعله هذا، وأخلاقه صبغة حوزوية ونوراً محمّدياً ومدرسة أخلاقية .
وهذه فعال العظماء دوماً، يصنعون من الأجواء العصيبة موقفاً تاريخياً وميدانياً لتطبيق الأخلاق الربانية، وهم ينادون ـ تخلّقوا بأخلاق الله تعالى. للّه يومك حينما تقفُ كالجبل الأشمّ أمام هذه المحن السوداء والفتن الظلماء، تخلق من كلّ فتنة وبلاء موقفاً محمّدياً تكملُ به مسيرة آبائك وأجدادك العظماء .
لم يكن السيّد الجلالي ينسى ذكر الله أبداً، ويذكّرنا به، كنتُ اُلاحظ لسانه لايفتر لحظةً عن ترديد السور القرآنية، أو الأدعية المحمّدية، في بعض الظروف المتأزّمة يمنع المجرمون كلّ المسجونين من أداء الصلاة، لكن هيهات أن يمنعوا السيّد الجلالي من أدائها، فقد كان يؤدّيها سرّاً وعلانية، وعانى ما عانى من أجلها من الضرب والشتم، كما أنه كان مواظباً على صلاة الليل لايتركها مهما اضطرته الظروف، ومهما منعه المجرمون من أدائها وإقامتها.
كنّا نرى فيه صورة العبد الذي لاينفكّ عن ذكر الله سبحانه، فكنّا نتبرّك به، كان بحقٍّ مثالاً واضحاً للولد المقتدي بآبائه وأجداده المعصومين(عليهم السلام)سيّما جدّه الإمام الكاظم(عليه السلام) عندما سجنه هارون الرشيد (لعنه الله) كما كنّا نرى فيه العارف الذي اشتدّ توكّله على بارئه وخالقه، وانكشفت له حجب المعرفة الإلهية، فصار العذاب رحمةً إلهية، ويرى المصائب والهوان هديّة ربانيّة، كما كان جدّه الإمام الحسين(عليه السلام) عندما اشتدّ عليه المصاب، وفقد الأهل والأنصار واحداً بعد واحد، فلم يكن مكترثاً لما أصابه، لأنّه يرى هذه الواقعة والدماء الزكية كلّها بعين الله تعالى التي لاتغفل، وعدله الذي لايجور.
ومن الجدير بالذكر هنا أنّنا كنّا في المعتقل نتساءل عن أبنائنا وإخواننا وأين هم الآن ؟ وماذا حلّ بهم ؟ أو نتذكّر إخواننا وزوجاتنا وبأي حال أصبحن، وعلى من يعتمدون في متطلبات الحياة المُرة، والظروف الصّعبة ولكنّنا لم نكن نرى السيّد الجلالي مهتماً بأمر أهله وأولاده، ولم يكن يسأل عنهم أو يحمل همّهم، وعندما سأله أحد المعتقلين قائلاً: إننا لانراك أيها السيّد تسأل عن أولادك، أو أهلك، فلعلهم الآن في أسوأ حال، أو أنهم في شدّة شديدة ؟ أفلا تحزن عليهم أو تتذكّرهم ؟ فيأتيه الجواب بصوت ونبرة تنمّ عن أكمل درجات السير والسلوك إلى الله تعالى، وتكشف عن مدى توكّله على الله تبارك وتعالى فيقول: إنّهم بيد من هو أشفق عليهم منّي – أو – تحت رحمة من هو أعطف عليهم من الأمّ على ولدها الرضيع. وهل هناك مَن هو أعطف على الرضيع الليّن العظام من الله تعالى؟
فها هو يصنع من هذا الموقف خُلقاً حسينياً وصَبراً زينبياً، كما هو دأبه(رحمه الله).
وهكذا تمرّ الأيام والسيّد الجلالي صابرٌ محتسبٌ مع أنواع العذاب التي يتلقّاها، يشتم ويسبّ مراراً عدّة، ولكن أنّى لأولئك الأوباش أن ينالوا من كبريائه وعلوّ نفسه؟!.
وفي الأيّام الأخيرة الحرجة الشديدة كنّا نراه وهو يصلّي صلاة الليل، بالرغم من منعها من قبل الجلاوزة، فكان يصطنع النوم فيصلّيها بالإيماء والإشارة.
لقد كان مواسياً، مؤثراً، متأسياً، فكم من مرّة رأيتُه يأخذ من طعامه ويعطيه لمعتقل آخر قد يكون أحوج إليه، أو يؤثر على نفسه بالمكان والشراب شخصاً ربّما يكون بأمس الحاجة لهما، لأنه عُذّب عذاباً شديداً يحتاج معه لمتّسع من المكان ومزيد من الطعام والشراب .
ولعمري، لقد كان السيّد الجلالي، إنساناً، وعالماً، وعابداً، ومرشداً، وواعظاً ومؤثراً، وعطوفاً جدّاً .
ولو أنّنا أردنا أن نكتب عن سيرته وسلوكه، وما رأيناه بأعيننا من إخلاص، وإيثار، وزهد، وتقوى، وارشاد، وحنان، لكان لزاماً علينا أن نخصص لذلك مجلّداً مستقلا.
فقد كان إنساناً بحقّ الكلمة، وما للكلمة من معنى .
عندما كنتُ أناقشه أو أتحدّث معه حول الاعترافات التي تنتزع من البعض فقد كان هناك من يعترف على غيره لأدنى سبب، أو أنّه لايريد مفارقة الدنيا، أو أنّ نفسه غير مستعدّة للالتزام بمبدأ الصمود، والمقاومة فنراه يقدّم التنازلات تلو التنازلات، وربّما يكون بعضهم ممن يُعتدّ به علمياً في المجتمع؟
فيجيب (رحمه الله) عن ذلك قائلاً:ليس من الصعب أن يكون الإنسان عالماً، لكن من الصعب أن يكون الإنسان إنساناً.
وهو بقوله هذا يتمثل بقول الحكماء المتألّهين .
ولعمري، لقد كان إنساناً، كما أراد له الله سبحانه، كنتُ أراه عملاقاً فذّاً، أرى فيه صورة أجداده وآبائه(عليهم السلام) أجمعين، وقد ثبت ذلك بالفعل والتجربة لابالقول والكلام.
ففي مرّة – ومن باب التعذيب النفسي والجسدي والاختبار في نفس الوقت – قام المجرمون بحلق الشارب والذقن (اللحية) لكلّ المسجونين في المعتقل بالقوّة وبطريقة لاإنسانية، ولما جاء دور السيّد الجلالي لحلق لحيته الشريفة وشاربه مانع ممانعة الأحرار، وكان ذلك من أجل عدم التنازل والمحافظة على الشرف والحرية والضمير، وكان نتيجة ذلك أن ضُرب ضرباً مبرحاً، حتى عجز عن القيام والقعود فحلقوا لحيته وشاربه، وزيادة على ظلمهم له حلقوا كذلك حاجبيه.
وعلمتُ بعد حين أن السيّد سلّم نفسه الزكية إلى بارئها نتيجة التعذيب الشديد، سلّمها بيضاء ناصعة، حرّة أبيّة، طاهرة تقيّة، أبت أن تخنع أو تخضع للظلم والظالمين .
فإذا كان الإنسان رسالياً حقّاً، فإن ذلك يظهر من أفعاله وسلوكه، وصبره وتقواه، وجهاده .
فالسلام عليه يوم وُلد ويوم اُستشهد ويوم يُبعث حيّاً .
 
 
 
 قافلة العلماء الشهداء كيف سارت ؟
 
 
 الشيخ أحمد الحائريّ
كتب  الشيخ أحمد الحائري في صحيفة ( المبلّغ الرساليّ ) التي يصدّرها مجلس المبلّغين التابع للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، في الصفحة الاخيرة من العدد (129) الصادر 15 ذوالحجة 1418هـ الموافق 13 نيسان 1998م السنة السابعة مانصّه:
حدّثني العلامة المرحوم الشيخ محمد حسن آل طه نجف (قدس سره)( HYPERLINK “http://www.aljalali.org/aljalali=13.htm” \l “_ftn3#_ftn3” \o “” [3]) ونحن في موكب تشييع العلامة الشهيد السيّد مهدي الحكيم، قال:
« من عجيب الاتّفاقات أنّي ذهبت ليلة جمعة إلى كربلاء المقدسة لزيارة سيّدنا ومولانا الإمام الحسين(عليه السلام) فدخلت الصحن الشريف فرأيت حلقةً من السادة العلماء مجتمعين معاً وإذا هم: السيّد مصطفى الخميني والسيّد محمّد باقر الصدر والسيّد حسن الشيرازيّ والسيّد محمّد تقي الجلاليّ والسيد مهدي الحكيم (رضوان الله عليهم أجمعين) قد جلسوا يتداولون الأحاديث; فسلّمتُ عليهم وجلستُ معهم، وبعد فترة ذهبنا إلى الحرم الحسينيّ الشريف . وذهبت الأيّام والليالي:حتى اغتيل الشهيد السيد مصطفى الخميني في النجف الأشرف عام 1397هـ  ثمّ قام الحكم الجائر باعتقال الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر (قدس سره) الذي أدّى إلى استشهاده في عام 1400هـ في بغداد. وبعد ذلك امتدّت يد الغدر من المرتزقة الكفرة إلى الشهيد السيّد حسن الشيرازي فأردته قتيلاً فى بيروت . وفي عام 1401 اعتقلوا الشهيد السيّد محمّد تقي الجلاليّ في النجف حيث قتلوه وسلّموا جثمانه في شهر رمضان عام 1402هـ.
وفجأةً تذكّرتُ تلك المجموعة، وأنّها كيف اجتمعت معاً، في الصحن الحسيني الشريف ؟ وقد آل مصير أكثرهم إلى الشهادة وبقي منهم السيد مهدي فقط؟ فكنتُ أتابع أخبار السيد مهدي حتى جاء نبأ اغتياله عام 1408هـ في السودان، فتمّ ما أراده الله لهذه المجموعة».
نعم، لقد جمع الله هؤلاء على خطّ الحسين (عليه السلام) روحيّاً وشاء أن تكون أجسامهم مجتمعةً عند مرقده المقدّس لتكون دلالةً واضحةً على ذلك، لقد ضمّ ذلك المجلس كوكبةً من العناصر القياديّة التي جاهدت بكلّ إخلاص لتنير الدرب للأجيال فخلّدهم التاريخُ لخلوص نيّاتهم.
وليستْ هذه الخاطرة إلاّ واحدةً من تلك الشارات الرائعة للتخليد رغم شغب المدّعين للعمل والجهاد وهم يتحجبّون وراء الأستار كأمّهات الحجال، ويخلدون إلى الدنيا، ايثاراً للبقاء ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. ولئن أخذ الاستعمار وأذنابه منّا هؤلاء العظماء الأبرار فإنّ آثارهم ومآثرهم باقيةٌ بيننا تضيىء لنا درب المعالي والحقّ هم خالدون بخلوده .

 

HYPERLINK “http://www.aljalali.org/aljalali=13.htm” \l “_ftnref1#_ftnref1” \o “” [1] – هذا نص ما ذكره الاخ العراقي في كتابه : ( أوراق مهربة ) وقد طلبنا منه أن يذكر لنا المزيد عن الشهيد(قدس سره)في المعتقل، فتفضل علينا ـ مشكور ـ بالمعلومات التي ستقرأها .
HYPERLINK “http://www.aljalali.org/aljalali=13.htm” \l “_ftnref2#_ftnref2” \o “” [2] – انظر كتاب ( أوراق مهربة ) لسليم العراقي ص 106، طبع في قم المقدسة .
HYPERLINK “http://www.aljalali.org/aljalali=13.htm” \l “_ftnref3#_ftnref3” \o “” [3]- وقد نقل مثل هذا – عن الشيخ المذكور – الأخُ الاستاذُ محمد صادق أبو زينب الكتبي حفظه الله.