• من أَقوال الشَّهِيد الجلالي: علينا التَّمسكُ بِالتَّكليف الشَّرْعِيّ, وَأَمَّا النَّتِيجَةُ فموكولة إِلَى اللّه تَعَالَى.
  • مِنْ أَقْوَالِ الشَّهِيدِ الجلالي: رَقَبتَي فِدَاءٌ لَديني وَمَذْهَبِي وَعَقِيدَتي.
  • مِنْ أَقْوَالِ الشَّهِيدِ الجلالي: يَجِبُ الحِفَاظ عَلَى مظاهِرِ الدِّينِ, فَلَا يَنْبَغِي التَّجَاهُرُ بِالأَكْلِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ حَتَّى لَذَوِي الأَعْذَار.
  • مِنْ أَقْوَالِ الشَّهِيدِ الجلالي: لَا يَنْبَغِي التَّهَاوُنُ وَالتَّنَازُلُ عَنْ العَقِيدَةِ فِيمَا أَصْبَحَ شِعَارًا لِلمَذْهَبِ, فلاتحذفوا (العليّ) مِنْ صَدَقَ الله العَلِيُّ العَظِيمُ.
  • مِنْ أَقْوَالِ الشَّهِيدِ الجلالي: لَا يَكْفِي أَنْ يَكُونَ العَمَل صَالِحًا مَا لَمْ تَكُن النِّيَّةُ صَالِحَةَ, فَمَنْ صَلحت نِيَّتَهُ صَلح عَمَله.
  • مِنْ أَقْوَالِ الشَّهِيدِ الجلالي: الإِيمَانُ بِاللهِ وَالوَلَاءُ للعترة هو السراطُ المُسْتَقِيم.
  • مِنْ أَقْوَالِ الشَّهِيدِ الجلالي: طَلَب العِلْمِ كَمَال ٌفِي الدُّنْيَا والدّين.
  • مِنْ أَقْوَالِ الشَّهِيدِ الجلالي: يَجِبُ عَلَى كُلٍّ مؤمن ان يَعْمَل بِوَاجِبِهِ الشَّرْعِيِّ إِزَاءَ خَالِقِهِ تَعَالَى وَإِزَاءَ دِينِهِ وَعَقِيدته فلاينبغي التَّقْصِيرُ إِذَا قَصر الآخَرون وَلَا يَنْبَغِي القُعُودُ إِذَا قَعَدَ الآخَرُون.
  • مِنْ أَقْوَالِ الشَّهِيدِ الجلالي: تمسّكوا بِعُلَمَاءِ الدِّينِ فإنّهُمْ حُمَاةُ الشَّرِيعَةِ وَحُرَّاسُ العَقِيدَةِ.
  • مِنْ أَقْوَالِ الشَّهِيدِ الجلالي: رَجُلُ الدِّينِ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَ نَفْسَهُ لِلهِ تَعَالَى وَلَكِن بِصُورَةِ البَائِعِ المُتَجَوِّلِ, يَكُون فِي المَكَانِ الَّذِي تُمس الحَاجة إِلَيْه.
  • مِنْ أَقْوَالِ الشَّهِيدِ الجلالي: اَللَّهُمَّ اُرْزُقْنَا الشَّهَادَة فِي سَبِيلِ إِعْلَاءِ كَلِمَتِكِ لِنَسْقِي مِنْ كَأْسِ رَسُولِ اللهِ صلّي الله عليه و آله و سلّم شُرْبَةً لانضمأ بَعْدَهَا أَبَدا.
  • مِنْ أَقْوَالِ الشَّهِيدِ الجلالي: كُلُّ مُعَامَلَةٍ قَابِلَةٌ لِلرِّبْحِ وَالخَسَارَةِ الّا المُعَامَلَة مَعَ اللّه تَعَالَي فانّها تِجَارَةٌ لَنْ تَبُور.

ما قيل في الشهيد

* كلمة آية الله السيّد الكاشاني
* كلمة آية الله المرحوم السيّد الإشكوري
* العلامة المحقق السيّد أحمد الحسيني: كلمات بلا رتوش
* الأستاذ الطريحي: من شهدائنا الابرار
* الدكتور البدران: شخصيّة العلامة الشهيد الجلالي
* العلامة الشيخ الأنصاري
* الأستاذ السيّد كامل: دور دماء الشهداء
* العلامة المرحوم الشيخ محمد رضا آل صادق: فقيد الإنسانية
* السيّد الحسيني: هكذا عرفت الشهيد الجلالي
* السيّد آل رضا: كلمات حقّ
* أبناء مدينة القاسم(عليه السلام) في المهجر: بيان الشهادة

 

كلمة آية الله السيّد الكاشاني

بسم الله الرحمن الرحيم
بعد الحمد لله والصلاة على رسول الله والصفوة المنتجبة من آله المعصومين آل الله.
قد أمرني بعض من يلزم عليّ طاعة أمره من الأجلاء الأعاظم، والعلماء الأفاضل (أدام الله أيّامه) من إخواني الأعزاء الأشاوس الأفذاذ المفاخر، أن أذكر شذرات يسيرة ممّا أعلم من حياة أخي في الله ووليي فيه عزّ وجلّ، العيلم العلم العلاّمة، النحرير الغطريف، الفهّامة، المجاهد في سبيل الله بقلمه ولسانه ونشاطه ومواقفه المتواصلة، الشهيد المقدّس سماحة السيّد محمّد تقي الجلالي رفع الله في الخلد مقامه وأسكنه فسيح جنانه وحشره مع مواليه أجداده الطيّبين الطاهرين المعصومين المكرّمين محمّد وآله الطاهرين، فلبّيتُ الطلب وامتثلتُ الأمر مع تراكم الهموم والآلام، وتهاجم الأمراض والأسقام، حتى أعياني انحراف الصحّة بحيث أصبحتُ جليس الدار وحليف الفراش، نسأل المولى أن يمنّ علينا بصحة وعافية، ويجعل خواتيم أعمالنا بخير وسعادة، بل بكلّ ما يرضيه سبحانه وتعالى وما ذلك عليه بعزير.

كان أوّل لقائي بالسيّد الشهيد السعيد الحجّة الراحل أعلى الله درجته عام ١٣٦٣ هـ وكنّا في مقتبل العمر وأوائل الشباب نحضر في كربلاء دروس المقدّمات معاً حوالي خمس سنوات عند بعض الأفاضل، وقد وجدته ذا ذهن مدهش ولياقة عجيبة، ثمّ افترقنا مدّة غير طويلة واجتمعنا ثانياً بمحضر العلاّمة الحجّة المقدّس الشهير الشيخ جعفر الرشتي(قدس سره)يشاركنا في البحث والدرس ثلةٌ ممّن هم اليوم من الأساتيد المشهورين والعلماء العاملين لدى الأستاذ المذكور، فقرأنا الحاشية والشمسيّة (في المنطق) والسيوطي والمغني (في النحو) وكذا المطوّل في المعاني والبيان، وشيئاً من القوانين في الأصول، وفي نفس الوقت كنت أنا والسيّد الشهيد(قدس سره)وشخص آخر هو من كبار علماء شيراز حالياً نقرأ خلاصة الحساب عند الحجّة الآية السيّد محمّد طاهر البحراني(قدس سره) وطال الحال بنا مدّة سنوات، ثمّ حضرنا معاً وبعض آخر وتتلمذنا عند الفقيه الكبير آية الله الشيخ محمّد الخطيب(قدس سره) صبحاً كتاب المكاسب، وعصراً عند المجتهد الكبير آية الله السيّد حسن حاج آقا مير القزويني كتاب رياض المسائل، وشيئاً من الكفاية في مدرسة البقعة، وأيضاً درسنا معاً عند هذا الفقيه الهمام كتاب «مصباح الفقيه» للفقيه المتبحر آية الله العظمى الحاج آقا رضا الهمداني (قدس سره القدوسي).

وبعد مدّة هاجر سيّدنا (التقيّ) الشهيد(قدس سره) إلى النجف الأشرف وحضر على بعض أساتذة الجامعة العلميّة الكبرى في النجف الأشرف، وقد كرّس جهوده للبحث والتنقيب مكبّاً مُجدّاً على التحصيل والتحقيق، حتى فرغ من مدّة غير طويلة من دروس السطوح لما كان يتمتع به من النبوغ المدهش واللياقة العجيبة، وقد حضر وقتئذ دروس خارج الفقه والأصول لكبار أعلام الطائفة وزعماء الحوزة كسيّد فقهاء عصره آية الله العظمى الإمام السيّد المحسن الطباطبائي الحكيم(قدس سره) واستاذ الفقهاء والمجتهدين ونابغة القرن العشرين سيّد الطائفة الإمام الأكبر السيّد أبي القاسم الموسوي الخوئي (أنار الله برهانه) ومن حسن الحظّ أنني قد وفقتُ لحضور درس هذين العظيمين النابغتين في نفس الأيّام مع السيّد الشهيد(قدس سره).

وبالجملة قد تقدّم الشهيد تقدّماً باهراً في دروسه لدى هذين الإمامين العظيمين،كتب كثيراً من أبحاثهما بأسلوب فني رائع يغبطه عليه البعض من زملائه.

وكان مورد ثقة هذين المرجعين العظيمين واعتمادهما والمقرّب لديهما للياقته واستعداده وقابليته، وقد أرسله الإمام الحكيم(قدس سره) ممثلاً عنه إلى ناحية القاسم(عليه السلام) من ضواحي الحلّة الفيحاء، فقام السيّد الشهيد الراحل(قدس سره) بعلمه الراسخ ونشاطه الباذخ وقابليته وجهوده وجهاده المتواصل هناك بتأسيس حوزة علميّة، واجتمع لديه لفيف من الطلاب، ثم إن السيّد الشهيد(قدس سره) قام بجهود كبيرة كإرسال دعاة ومبشرين ومنذرين لأماكن مختلفة لإرشاد المؤمنين وبثّ الفكر الإسلامي والدعوة الدينية في سبيل الله تعالى، ونشر الأحكام وإرشاد العوام وتربية الطلبة الكرام.

ومن فضل الباري تعالى أن وفق الله السيّد الشهيد(قدس سره) لجميع أمنياته، وقد قام رغم كثرة أعماله بتربية نخبة من المؤمنين، وتدريس جمع من الطلبة المجدّين، وقام أيضاً بتجديد وتعمير الروضة القاسِميّة المقدسة، بشكل بديع وطراز لطيف ظريف كما يشاهدها زائرها.

وقد أنعم الله تعالى على هذا الشهيد المقدام بتوفيقات متنوعة: أن لمع نجمه من بيت عريق، عرف بالعزّ والمجد، والجلالة والنبالة له مكانة مرموقة في الأوساط العلميّة، نسب باذخ وضاح أصله ثابت وفرعه في السماء. فهو سبط الإمام الأكبر والمرجع نابغة العلماء والمجتهدين وعلامة الفقهاء والمحققين نادرة الأيّام ومفخرة الزمان سماحة آية الله العظمى السيّد ميرزا هادي الخراساني (عطر الله مرقده ومثواه وأنار الله ثراه) ولي مزيد الشرف والاعتزاز أن منحني وشرّفني بإجازة عسجديّة أتبرّك بها.

وهو حفيد علم الفضل والهدى ومنار العلم والتقى الحجة الباهرة والآية الزاهرة السيّد علي الجلالي الكشميري (طاب ثراه) من العلماء الأعلام في الحائر الطاهر الفاخر.

والشهيد أكبر أنجال سيدنا وأستاذنا عماد العلماء الأجلاء، وأستاذ الفضلاء النبلاء، العيلم العلم النحرير سماحة آية الله السيد المحسن الجلالي من كبار علماء كربلاء المقدسة.

ولسيدّنا الشهيد إخوة أماجد علماء نبلاء وأفاضل أجلاّء كالعلامتين الحجّتين مفخرتي اهل التحقيق وقطبي رحى التدقيق سماحة سيّدنا العلامة الحسين وسماحة سيّدنا الحجّةمحمد الرضا وسائر إخوتهما الأعلام الأشاوس داموا للإسلام ذخّراً وملاذاً.

ولسيّدنا الشهيد أيضاً أنجال أعاظم وفضلاء أكارم كالشبلين العلمين الحجتين سماحة السيّد الهادي وسماحة السيّد القاسم وسائر إخوتهما المفاخر الأماجد والأشبال من تلكم الأسود رفع الله بالإخوة الأعاظم، والأنجال الأفاخر كلمة الإسلام وحوزة المسلمين.

ومن نعم الباري تعالى على هذا الشهيد المقدام مؤلژفاته القيّمة وآثاره الممتعة، وغير ذلك من الخدمات الملموسة المشهودة.

ولعلّي لاأغالي لو قلت: إنّ شهيدنا الجلالي (أنار الله برهانه) كان عالماً عيلماً، وعلاّمة بحّاثة، وورعاً تقيّاً، ونيقداً مجاهداً، لاتأخذه في الله لومة لائم منذ نعومة أظفارهحتى لقائه لربّه، ولجهاده المشرّف وجهوده المتواصلة أقدم طاغوت العراق على إعدامه ظلماً وعدواناً، ذلك الطاغية الذي بيّض وجه الطواغيت، وسوّد صحائف التاريخ بجرائمه البشعة المخزية القاسية، مجسمة الرجس والعار، والخيانة والغدر، والظلم والجور، عليه وعلى حزبه حزب البعث المجرم لعنات الملك الجبّار.
فاستشهد التقيّ ملتحقاً بالرفيق الأعلى آمناً مطمئنّاً، راضياً مرضيّاً، وقد سكن باستشهاده أعلى غرف الجنان بجوار أجداده المعصومين الغرّ الميامين عليهم صلوات الملك المنّان. وقد خسرت الأمة الإسلامية بشهادته علاّمة علماً (تقياً) ومجاهداً نيقداً، نقياً، وعالماً عيلماً، ألمعيّاً.
فسلام عليه يوم وُلد ويوم اُستشهد ويوم يُبعث حيّاً.

وختاماً قال الله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون) صدق الله العليّ العظيم.٢٤ محرم الحرام ١٤١٨ هـ.
الراجي
العباس الحسيني الكاشاني
عفي عنه

 

 

كلمة آية الله المرحوم السيّد الإشكوري[١]

الشهيد الجلاليّ العالم العامل
إنّ كمال الإنسان إنّما هو بالعلم، وكمال العلم إنّما هو بالعمل، لأنّه الغاية القصوى الكامنة وراء العلم، فلا قيمة للعلم بما هو علم، وإن بلغ ما بلغ، ما لم ينتج منه عملٌ، ومن هنا ذهب الفقهاء إلى أن تعلّم الأحكام واجبٌ طريقيّ، وليس بنفسي، ويؤكّد ذلك بعض الأخبار: إنّ العبد يؤتى به يوم القيامة فيقال له: هلاّ عملت؟ فيقول: ما علمت. فيقال له: هلاّ تعلّمت؟. فنرى أنّ السؤال انصبّ أوّلاً على العمل لا على التعلّم، ومنه يستكشف عدم كون العلم واجباً نفسيّاً، بل هو طريق للعمل، وإلاّ لكان اللازم سؤال العبد أوّلاً عن التعلم. وقد كان المرحوم العلامة الشهيد الجلالي(قدس سره) عالماً قرن علمه بالعمل، وجعل ثمرة العلم عملاً مقدّساً لايحضى به إلاّ المخلصون من عباد الله.فجمع بين فضيلة مداد العلماء ودماء الشهداء. فالسلام عليه يوم وُلد ويوم اُستشهد ويوم يُبعث حيّاً.
السيّد ضياء الدين الحسينيّ الإشكوري

كلمات بلا رتوش

بقلم العلامة المحقّق السيّد أحمد الحسيني الإشكوري
الشهيد السيّد محمّد تقي الجلالي
في سنة ١٣٨٠ هـ أو السنة التي تليها، تعرّفت على شاب طلق المحيا تبدو على قسمات وجهه آثار الذكاء والفطنة، يتحلّى بحسن الخلق والحيوية، وعلى ثغره بسمة خفيفة ظريفة، له قوّة التصرّف في الشؤون الاجتماعية، مطبوع على التبسط والأريحية في مجالسته للإخوان والأصدقاء، أنيق بعض الأناقة في ملبسه وأثاث حجرته، متواضع لايترفع على الأخلاء والمعاشرين له، ولهذه الأوصاف كان محبّباً إلى من يعرفه ويجالسه، لايملّه جليسه بل يطلب المزيد من أحاديثه الشيّقة.

عرفته في مناسبة غير مقصودة، وتوطدت العلاقات بيني وبينه في أيّام معدودة، وأصبحنا صديقين لايخفي كلّ واحد منّا مداخل نفسه عن الآخر، وبعد مضيّ فترة قصيرة كان تبادل الودّ بيننا كأننا خليلان مضى على خلتهما سنين طويلة.

كانت تعجبني منه صفات نفسيّة عالية استكشفتها فيه منذ أوائل معرفتي به، قوّة العزيمة فيما يقدم عليه، معرفته التامّة بمداخل الأمور، الصمود أمام المشاكل المعترضة في طريقه، حدّة نظره في استكناه الناس، عبقريته في احتكاكه بمختلف الطبقات وعوام الناس قابليّات ممتازة كامنة فيه تنتظر فرصة الظهور والبروز.

ذلك هو شهيدنا المأسوف عليه السيّد محمّد تقي الجلالي.
أوّل شيء ملفت للنظر في سلوك السيّد الجلالي – حينما كان طالباً في الحوزة – دأبه على التحصيل وجِدّه في طلب العلم وبذل قصارى جهده في الدراسة والبحث.

لا يتأخّر عن موعد الدرس والبحث والتدريس، ولايشتغل بالأمور الصارفة عن واجباته من المطالعة وكتابة الوظائف، ولايتكاسل عن التحقيق فيما يلزم تحقيقه للتهيؤ لاستماع محاضرات أساتذته أو لتدريس تلامذته الذين هم في مستوى دون مستواه العلمي.

من عادة حوزاتنا العلميّة أن يدرّس كلّ طالب ما قد درسه من الكتب في مستويات سابقة، وكثيراً ما يصادف أن يوهم تلامذته أنه متقنٌ له مجيدٌ في فهمه، وهذا يسبّب إضلال التلاميذ وعدم تنشئتهم نشأة علمية صالحة تؤهّلهم لقطع المراحل العالية كما ينبغي، وبه يصبح التلميذ ضعيفاً في فهمه الدراسي، ولكن الشهيد لم يسلك هذا المسلك بل كان يسعى لإتقان الدرس لدى أساتذته، ثم يجيد تدريس ما قرأ على تلامذته.

ومن عادة الطلاب المجدين أيضاً أن يطالعوا ليلاً الدروس التي سيحضرون فيها لدى الأستاذ صباح غد، وهذه عادة جيدة تعين على تهيئة الذهن للاستيعاب الأكثر لتلك المادة عند إلقاء المحاضرة.
وهذا ما كان السيّد الجلالي يلتزم به في كلّ دروسه، فكان أساتذته يصفونه بالتفوّق لما يلمسون فيه من حضور الذهن نتيجة لهذا الالتزام.

ومن دلائل نشاطه في كسب العلم مؤلّفاته التي جاوزت الخمسين رسالة وكتاباً، بالرغم من تعدّد واجباته الاجتماعية وخاصة أيام إقامته في قرية القاسم وقلّة سنيّ حياته.

والدأب في التحصيل والدراسة لم يمنعه من المشاركة – أوقات التعطيل – في محافل الأصدقاء والحضور في مجالسهم المعقودة في المناسبات الدينية والإخوانية وغيرها، فإن الإنسان بطبيعته يحتاج إلى الاستراحة البدنية والفكرية حتى يتمكن من الاستمرار في العمل الجادّ، والبدن إذا كلَّ والفكر إذا ملّ ولم يستوفيا نصيبهما من الراحة والاستجمام فسوف يكون ذلك معوّقاً عن قطع أشواط العلم وقاطعاً عن طلبه، ولكنّ أخانا كان يستفيد من هذه المجالس بما يثيره من أحاديث مفيدة علمياً أو اجتماعياً أو أدبياً، ويحاول أن يخلط الجدّ بالمزاح ويستخرج منه ما يزيد في ثقافته أو يعينه على تحقيق أهدافه.
كان كثير الزيارة لي في ساعات الفراغ، يأتي وبصحبته بعض من يأنس به من أترابه، ونمضي سويعات في مختلف الأحاديث التي لايجمعها جامع إلا الأنس وشرح الصدر ورفع عناء التحصيل وتعب الدراسة، إلا أنه – بالرغم من شدّة الصلات الودية ورفع الحشمة بيننا – لم نكن نتجاوز حدود الآداب ولم ينفض مجلسنا إلا بفوائد اكتسبناها من خبرات بعضنا البعض.
على يمين الذاهب من الديوانية إلى الحلة قريتان تضمّان رفات سيّدين جليلين من أولاد الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام) هما: الحمزة والقاسم، وتعرف القريتان باسم هذين السيّدين «الحمزة» و «القاسم» وكان المرشد الديني في القاسم(عليه السلام) شيخاً في منتهى التقوى والزهد والصلاح والسداد، قد قنع من دنياه بأن يقيم في النجف ستة أشهر، ولكي يوفّر ما يتبلّغ به من المعيشة البسيطة جداً أيام إقامته في القاسم(عليه السلام) بقيّة السنة، وذلك بغية إرشاد الناس وتعليمهم معالم الدين الحنيف.
كان هذا الشيخ الورع يكتفي في القرية بإقامة صلاة الجماعة، وتعليم المسائل الشرعية، وإجراء العقد والطلاق وما أشبهها، وبقي على عمله الديني المحدود إلى أن اختار الله تعالى له الدار الآخرة فذهب إلى ربه نقي الجيب خفيف الميزان[٢].

وكان المرجع الديني سماحة الإمام السيّد محسن الطباطبائي الحكيم – تغمده الله برحمته ورضوانه – يدعم العلماء القاطنين في المدن والقرى ويبذل جهده في تقوية مركزهم حتّى لو كانت الفائدة من وجودهم قليلة فإذا توفّي أحدهم يختار من يعرف فيه الجدّ والنشاط والعقل ليحلّ محلّ ذلك العالم، ويوفر له المعدات ويؤيده بشتى الأساليب لكي يقوم بواجبه الديني على ما يرام، وبهذا كان أكثر وكلاء السيّد الحكيم نشطين في مناطق عملهم، يوجدون بها حركة قويّة وأثراً بارزاً في نفوس الشيوخ والشباب.

ارتأى الإمام الحكيم أن يحلّ سيدنا التقي محلّ شيخنا الزاهد الراحل فأمره بالذهاب إلى القاسم، والإقامة بها لتولّي شؤون الأهالي الدينية، وكان عند أمر الإمام، فانتقل بعائلته إلى القاسم، وبعد مدّة يسيرة رأينا منه مشاريع حيّة مفيدة بالمنطقة لم يكن بحسبان أحد أن تتمّ في تلك المدّة القصيرة.

دعاني لزيارة السيّد القاسم والتجوّل في المنطقة، وبعد قبول الدعوة قال: لابدّ أن تأتي في سيّارة (تورن) ذات خمسة ركاب، لا في سيارة (مرسيدس) ذات ثمانية عشر راكباً.

فقلت له: ولكن أجور التورن مرتفعة، يشقّ عليّ دفعها.
فقال: إنني أحبّ أن يأتي أصدقائي إلى المنطقة بمظاهر الغنى والعزّ لابمظاهر الفقر والذلّ، وإذا رآهم الأهالي أغنياء متعفّفين نظروا إلى رجال العلم والدين بنظر الاحترام والإكبار، وبذلك نتمكّن من توجيههم إلى الأعمال الخيرية ودفعهم إلى البذل لها بسخاء.

ذهبت مع ثلاثة من الأصدقاء بالشكل الذي أراد السيّد، وكانت الحفاوة بنا منه ومن الناس بالغة والتكريم باهراً، ورأينا مجلسه حافلاً بوجوه أهل البلد وشخصياتهم، وصلاته في صحن البقعة عامرة بالصفوف الطويلة، وأحاديثه تدور حول المشاريع الدينية التي ينوي إنجازها في المستقبل القريب، ويعدّ منها مدرسة لطلاب العلم ومكتبة للشباب.

إنّ إثارة الناس لتحقيق الأهداف التي يطمح لها العاملون – إن خيراً وإن شراً – تحتاج إلى معدّات كثيرة يجب توفّرها لكي تنفجر الطاقات الكامنة وتدفع الجمهور إلى الجهة المقصودة، ولعلّ أهم تلك المعدّات هي معرفة علمي النفس والاجتماع ليس نظرياً بحدود ما في الكتب، بل عملياً بواسطة المواهب التي أودعها الله تعالى في بعض الناس، ويضاف إلى ذلك نكران الذات، وانتهاز الفرص المناسبة، وتمهيد الأسباب للاقتحام فيما يُرام. هذه من أهم ما يعين على تحقيق الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها المصلحون والمفسدون على السواء.

كم رأينا من معاصرينا من يحدّثنا أن فلاناً العظيم كان معه في المدرسة أو هو من مدينته، أو كان يسكن في حارته، أو هو من ذوي مهنته، ولكنه وصل إلى ما وصل وبقي هذا حيث هو، وخانه الزمان.

لقد نسي هذا المغفل أنّ الزمان لم يخنه، بل المواهب الكامنة في ذلك العظيم هي التي أوصلته إلى ما وصل، وعدم توفّرها في محدّثنا هو العامل المهمّ الذي أوقفه في أوّل الطريق.

بدأ السيّد الجلالي مشاريعه بترميم وتوسعة وتزيين مرقد السيّد الجليل القاسم بن الإمام الكاظم(عليه السلام) وفي مجلس حاشد خطب الناس وذكر في حديثه الموقع الممتاز الذي تحتله القرية في نفوس المؤمنين، حيث يأتون لزيارة هذا المرقد الطاهر، ولولاه لكانت القرية كبقية القرى المجاورة التي لااعتبار ديني خاصّ لها، وعليه فيجب أن يكون المرقد في حالة جيّدة تسترعي اهتمام الزائرين، ويزيد بذلك احترام المنطقة الذي معناه احترام الأهالي وتفوّقهم على أهالي سائر القرى المجاورة، ثم ذكر أنّ هذا المشروع يحتاج إلى مساهمة الخيّرين المحسنين، وقال: إنّ أوّل من يتبرّع لإنجازه هو زوجته، فأخرج من جيبه قطعة ذهبية من حليّ زوجته فقدّمها هدية منها إلى السيّد الكريم صاحب القبر، ولم ينزل عن المنبر إلاّ وقد انهالت عليه التبرّعات الكثيرة من الرجال والنساء فكانت تلك أوّل خطوة في الإعمار وتذهيب القبة وبقية المشروع.

فلو كان رجالنا كلّهم بهذا المستوى العقلي والحنكة والحكمة في تصرّفاتهم ومشاريعهم لكنّا في حالة ممتازة، أحسن مما نحن عليه الآن، ولكن الله تعالى قدّر لكلّ واحد من خلقه حصةً من العقل محدودة، ورزقه من المواهب قدراً معلوماً لا يتعدّاهما.

انتشرت الشيوعيّة في العراق بعد ثورة ١٤ تموز، انتشاراً واسعاً بين الشباب والسذّج من الشعب العراقي، وأصبح لها أنصار في أكثر المدن والقرى والأرياف، وجعلوا يبثّون لها دعايات ويجمّعون لها الجموع ويثيرون لها مظاهرات – يسمونها شعبيّة – بأدنى مناسبة تاريخية أو اجتماعية قد اصطنعوها لجلب الغوغاء والمغفلين.

لم تقنع الشيوعية بهذا – كما لم تقنع في تاريخها الثوري بمثل هذا في أي قطر من أقطار العالم – بل أخذت تهجم على الدين بشتى الأساليب وتزيّف المبادىء الدينية علانية، وتختلق أنواع الأذى لمن لم يكن في ركبها، وبلغت الغاية في إهانة الدين وإهدار كرامة المتدينين بالقتل والسجن والتشريد، والاستيلاء على الأموال، وهتك الأعراض، وكان لابدّ من العمل الجادّ لصدّ هذا التيّار الكافر، والحدّ من عُدوان هذه الطغمة الفاسدة المفسدة، من هنا تصدّى زعماء الدين في النجف الأشرف للفتوى بكفر الشيوعية، وإعلان أنّها مبدأٌ هدّامٌ لايجوز الانتماء إليه، ونجحت الحركة باندحار هذا الكابوس المخيف وانقشاعه من سماء العراق[٣].

كان لفتوى العلماء أثرٌ ظاهرٌ في كشف حقيقة الشيوعية وموقفها المعادي للإسلام، ولكن كان أيضاً من اللازم على الشخصيات العلميّة القاطنة في مختلف المناطق أن تعمل في مناطقهالتفهيم الناس ما يقصده المراجع من تكفير هذه الشرذمة الخارجة على الدين، وكونها وبالاً على المقدسات الإسلامية، ولماذا لايجوز إقرارهم على آرائهم وأعمالهم؟

جاءني السيّد الجلالي على عجل في زيارة خاطفة، وعرّفني أن أحد أوكار الشيوعية ذا الأثر الكبير على الحلّة ونواحيها، يوجد في قرية «الحمزة»، وله نشاط واسع جداً في الإضلال وزلزلة عقائد الشباب والمزارعين في الأرياف خاصة، والواجب الديني يحتّم علينا أن نسعى لهدم هذا الوكر وإزالته من تلك الناحية، ويعوزني الصلة الوثيقة بالمنطقة; إذ لم يسبق لي التعرّف على عالمها الشيخ حمزة[٤] الذي سيطر عليه الشيوعيون لبساطته وعدم بصيرته بهذه الشؤون.

قلتُ له: إنّ الموضوع هامّ، فكيف العمل؟

قال: لا عليك، إنني اُرتّب المقدّمات لدعوتك إلى «الحمزة» من قبل الأهالي في يوم قريب، وتكون الدعوة وسيلة للنفوذ في المنطقة ثمّ هداية الناس وإرشادهم إلى الصحيح من العقيدة.

بعد أقلّ من أسبوع جاء وفدٌ من وجهاء «الحمزة» يدعونني لزيارة ناحيتهم، ولبّيتُ الطلب على أن تكون الزيارة في يوم الجمعة الآتي.

ذهبتُ مع جمع من الأصدقاء في سيّارتين، وفي المفرق (مفرق طريق القريتين الحمزة والقاسم) استقبلنا السيّد الجلالي والشيخ حمزة[٥] في رتل من السيّارات يُقِلُّ جماعة من ذوي المكانة والجاه من القريتين، وبعد تبادل السلام والتحيّة اتّجهنا إلى «الحمزة» تتقدّم سياراتنا على سيارات المستقبلين، ودخلنا الشارع الممتدّ في وسط القرية بجلال وحفاوة جالبة لانتباه الأهالي.

كان الاتجاه إلى حرم السيّد الكريم الحمزة بن الإمام الكاظم(عليه السلام) وعند الانتهاء من الزيارة والدعاء لدى القبر المبارك، دُعينا لتناول الشاي في إحدى حجرات الصحن، وقد كانوا أعدّوها لاستراحتنا وسلام الأهالي علينا، وتحدّثت إلى الناس حول الدين الإسلامي وماله من الخصائص الإنسانية والميزات العقائدية، وعن المسلمين والواجبات الدينية الملقاة على عواتقهم، وعن أثر الدين في تاريخه الطويل على الشعوب بمختلف أدوارها.

والأحاديث كلّها كانت عامة لم أتطرق فيها إلى فئة خاصة أو جماعة معينة، كما لم أتعرّض للشيوعية التي كانت هدفنا الأقصى.

بقينا في القرية إلى الليل حيث مدّت الأسمطة العربيّة الكريمة في بيت الشيخ حمزة، وبعد تناول طعام العشاء ودّعنا الحاضرين وعدنا إلى النجف.

لم أعرف كيف أثار السيّد الجلالي الناس لدعوتنا واستقبالنا والحفاوة بنا تلك الحفاوة الممتازة، ولم أعرف أسلوبه في مواجهته للشيوعيين بتلك المنطقة بالذات.

ولكن عرفتُ أنّه وفّق للنفوذ في المنطقة كما أراد، وكان له أثرٌ فعّالٌ في ضعضعة أركان الشيوعية فيها، وإزالة أثرهم منها، وبه هدي كثيرٌ من المنخدعين، وكتب لأساليبه الحكيمة الراشدة النجاح فيما أراد.

 

من شهدائنا الأبرار

الحجّة الشهيد السيّد محمّد تقي الجلالي(قدس سره)[٦]

الأستاذ محمّد سعيد الطريحي

العلامة الحجّة الشهيد السعيد السيّد محمّد تقي بن الحجة الورع السيّد محسن بن آية الله السيّد علي الجلالي من السادة الأعرجية من سلالة عبيد الله الأعرج بن الحسين الأصغر بن الإمام الرابع عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب(عليهم السلام).

أرسله الإمام الحكيم سنة ١٣٧٨ هـ إلى ضواحي السماوة والديوانية والرميثة، وفي سنة ١٣٨٠ هـ إلى مدينة زرباطية (من لواء الكوت) وفي سنة ١٣٨٥ هـعيّن مرشداً دينياً لمدينة القاسم (وهي مدينة تاريخية مشهورة في الفرات الأوسط عرفت بذلك نسبة إلى مرقد القاسم بن الإمام الكاظم(عليه السلام)).

وبتولّيه هذه المهمة الدينية بدأت قرائحه الوقادة تبشر بجلائل الاعمال التاريخية التى كان يعتمل بها فكر الشهيد الخالد الذكر، وتفتّقت مواهبه فى سبيل نشر الثقافة الإسلامية والتزام التوجيه الصحيح لأبناء الفرات الذين كانوا يعتبرون مادّة أهل البيت فى العراق وجمهورهم الذى حرصت على تجاهله جميع الحكومات المتعاقبة على العراق، وكانت تعمل جاهدة على تجاهله وتجهيله، فعمد الفقيد إلى رفع الحيف – ما أمكنه ذلك – عنهم; وعياً منه لهذه الحقيقة، فأسس العديد من المدارس والحوزات والمنتديات الثقافية (الحسينيات) من أجل بثّ الوعي الثقافي الأصيل والقضاء على الأميّة المتفشّية فى صفوف الأمة، وبنظرة سريعة على مجمل منجزاته يتبين مقدار الهمّ الكبير الذي كان ينطوي عليه قلبه وفكره، ومن تلك الأعمال التالية:

(تأسيس الحوزة العلميّة في مدينة القاسم – تأسيس المدرسة الدينية في القاسم – تأسيس حسينية في الجانب الغربي للصحن القاسمي الشريف – تأسيس حسينية الزرفية في ناحية الطليعة في محافظة بابل – تأسيس حسينية أهالي القاسم بكربلاء – تأسيس مسجد الإبراهيمية – مؤسسة القرض الحسن – الشباك الثالث لمرقد القاسم – مسجد الحاج زامل ومسجد الحفينات في قضاء الهاشمية – إقامة حسينيات في القاسم وهي (حسينية فيروز – حسينية السُوّاق – حسينية الحاج زامل – حسينية باعة المواشي).

ومن النشاطات المفيدة التي قام بها أيضاً، تأسيسه هيئة التأليف بمكتبة آية الله الحكيم العامة (فرع القاسم) وقد صدر عنها مجموعة من الكتب منها:
حياة القاسم بن الإمام موسى الكاظم(عليه السلام) للحاج جبار الصگر، وكتاب القاسم بن الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام) للشيخ عبد الجبار الساعدي، وكتب تعلّم الصلاة والصيام وغيرها.

ومن مواقفه المشرّفة وضع حجر الأساس لقبور مجموعة من العلويين المدفونين في موضع سُورا الأثري قرب القاسم، بعدما عثروا على صخرة تاريخية في ذلك الموضع. اختطف الشهيد السعيد من قبل المخابرات العراقية في محرم سنة ١٤٠١ هـ وبعد عام تقريباً من التعذيب الوحشي استشهد في رمضان سنة ١٤٠٢ هـ، وسلّمت جثته لذويه الذين اُمروا بدفنه ليلاً دون إقامة المراسم المعتادة اللائقة به، ودفنت فى منطقة من وادي السلام في النجف الأشرف، ومضى شهيداً محتسباً عند مليك مقتدر، مؤدياً ما عليه من واجب الدفاع عن حرمات الإسلام والذب عن شريعته المقدسة، مضى (أبو الهادي) مأسوفاً عليه في قمة عطائه الروحي، فضرب المثل الكبير للعمامة المخلصة التي أبت الخنوع للظالم أو مهادنته، وأبتْ إلاّ العزّة والكرامة، في حين عمائم اخرى – وبعضها من رفاق درب الشهيد الجلالي – آثرت السلامة على دار الكرامة، فباءت بغضب من الله تتجرّعه غصصاً من منازلها المرفّهة، وما عند الله أبقى وأخلد لو علم المنافقون (وإنا لله وإنا إليه راجعون).

 

 

شخصيّة العلامة الشهيد الجلالي

الدكتور أبو زهير بدران

من الصعوبة بمكان ادّعاء الإلمام بأبعاد شخصية الشهيد الجلالي التي نالت المكانة الرفيعة في مجال العلم والفضيلة والجهاد، حيث تجسّدت فيها تعاليم أجداده الطاهرين وسيرتهم الوضاءة، حقّ تجسيد.

كان مفكّراً واسع الاطلاع، عالماً غزير المادة، محقّقاً يتغلغل إلى عمق الحقائق ليكتشفها، مديراً يُحسن عرض الآراء ويجيد تمييزها ببراعة نادرة النظير.
أمضى حياته المشرقة بين علم وعمل، يسعى بروح مطمئنّة نحو هدفه المنشود، فسلخ قرابة الخمسين عاماً مكلّلة بجلائل الأعمال العلميّة والاجتماعية والتربوية، حاملاً خلالها الأمانة العظيمة التي عُرضت على السموات والأرض فأبين أن يحملنها.

لقد تجلّت في شخصيته – العريضة في جوانبها – مكارم الخلق الرفيع الذي عمَّ بأمواجه سواحل النفوس، فلاقى من إجلال الناس له ما لم يلاقه أحدٌ من رفاق دربه، لأنه اضطلع بخطوب الناس، وحمل أعباءهم وتحمّل مغارمهم، وكابد آلامهم، حيث كانوا معقد حبّه ومثار عطفه، لقد بكت عليه العيون وأقرحت له الجفون، فراحت النفوس التوّاقة لهذه الشخصية الخالدة تعقد لشهادته المآتم في داخل العراق الجريح بعيداً عن عيون الظالمين، وقد شاهدنا كيف تسيل الدموع من الآماق حزناً لمظلوميّته، وأسفاً على ما أصاب الإسلام من ثَلم بفقده.

يا أبا الهادي… كنتَ أحسبني قادراً على التجلّد أمام الرزايا فأغبط نفسي على الصبر والتحمّل، وما أن عمَّ تلك الأجواء الخانقة نبأ شهادتك، حتى علمتُ أنّ من الرزايا ما لايُطاق احتماله، فاسترجعتُ بعبرات جارية وحسرات وارية.

أيّها الشهيد الراحل – طبتَ حيّاً وميّتاً – خدمتَ مذهب أهل البيت(عليهم السلام)في حياتك، ورفعتَ رايتهم خفاقةً بالنصر في شهادتك.

 

 

الشيخ محمّد حسين الانصاري

بسم الله الرحمن الرحيم

كان الشهيد الجلالي – رحمه الله تعالى وأعلى في الجنان درجته – ممّن يهتمّ بشيعة علي(عليه السلام)على العموم، ويصرف من وقته الثمين ما هو غال عند الله تعالى ومهمّ عند قادة الأمم الصلحاء، واُمناء الرحمن، وسلالة النبيين(عليهم السلام) فيحفي السؤال عن عوّام الشيعة، ويتفقّدهم تفقّد الوالد الحنون، والأخ الكريم، فيخرج إلى أرياف العراق وبالخصوص (منطقة القاسم(عليه السلام)) التابعة لمحافظة الحلة ويزور أهلها، وينشر الدين والمذهب فيها، كما كانت صفة التواضع صفةً ملازمة له، وبارزة في سلوكه، يشهد بها كلّ من عاشره، وهكذا يكون العلماء.

ومن جملة مشاريعه وأعماله: بناء حسينية في قرية (الإبراهيمية)، والمدرسة المشهورة فى مدينة القاسم(عليه السلام) ونصب الشباك الذهبي للقاسم(عليه السلام).

وهذه المنطقة التي تسمّى بالقاسم كانت تسمى ب- (باخمرى) وسُمّيت المدينة بعد ذلك باسم (القاسم بن الإمام موسى الكاظم(عليه السلام)) الذي دفن فيها، وقبره مزارٌ معروف ومشهور، ومن المظنون أنّ الشاعر الكبير دعبل الخزاعي (عليه الرحمة) أشار إليه عند إنشائه قصيدته التائية: (مدارس آيات) في حضرة الإمام الرضا(عليه السلام) حيث قال:

واُخرى بأرض الجوزجان محلها *** وقبر (بباخمرى) لدى الغربات

كما كان رحمه الله يحضر مجالس قريتي (الإبراهمية) و (الحصين) برغم متابعة قوات الأمن البعثية له.
وكان يحلّ أعقد المشاكل التي تنشأ في المنطقة، ويتدخّل في حلّها شخصيّاً، بل كان يقصد المناطق النائية لحلّ مشاكل الناس، وأمثالها، ولاتمنعه الطرق الترابية الوعرة من ذلك، وربما صعد المنبر – قبل الخطيب – فيلقي توجيهاته ونصائحه وإرشاداته مع علمه بحضور أفراد من النظام البعثي الفاسد يتابعون كلماته وتحركاته ويعدّونن أنفاسه، فكان لمحاضراته تأثيرها الخاصّ على الناس، ومن آثار ذلك، دخول محبته في قلوبهم ومشاعرهم، فكانت (العرضات) [٧] عندما تأتي في ثورة شعبان سنة ١٩٩١ م ترفع صورته في مدينة القاسم(عليه السلام) ووضعت له صورة كبيرة على باب صحن القاسم(عليه السلام).

كانت صلته بالمرجعيّة قويّة بدأت بوادرها من زمن السيّد الحكيم(قدس سره)وظهرت بمجيئه مع عدّة سيارات مملؤة بالمخلصين لزيارته عندما نزل في بغداد في مرضه الأخير.

ومن خريجي مدرسته تلميذه سماحة الشيخ عبد الزهرة الطائي الذي ألقت القبض عليه السلطات البعثيّة، بعد أن ذهب وكيلاً للسيد الخوئي(قدس سره)في ناحية الشوملي، وأُعدم هناك.

ومن تلامذته – أيضاً – سماحة الشيخ عباس المطراوي وكان من الفضلاء في حوزة النجف الأشرف، وله سيرة محمودة فيها، وقد اعتقله البعثيون، وفقد أثره، ولعله أُعدم فيمن اُعدم.

وسماحة السيّد حسن الخطيب، وقد أعدمته السلطات البعثية القمعية بعد ثورة شعبان العظيمة لمشاركته في أحداثها.

وسماحة الشيخ كريم، وهو من الفضلاء، كان يؤمّ الجماعة بدل السيّد الشهيد في أواسط السبعينات، عندما كان يسافر السيّد(قدس سره) لأعماله، وجاء إلى النجف الأشرف، مواصلاً دراسته وتحصيلاته، إلاّ أنه بعد الضغوط الكثيرة والمؤلمة ومتابعة رجال السلطة البعثية أصيب بمرض قام على أثره بالهجوم في وسط صحن الإمام علي(عليه السلام) شاقّاً تجمعات الناس شاهراً سكيناً لأجل قتل البعثيين وعملاء السلطة فاقداً الشعور بالخطر.

وسماحة الشيخ فرحان، وهو أيضاً من الفضلاء والمخلصين في حوزة النجف الأشرف، وبعد مضايقة النظام للحوزة إبّان الحرب العراقية الإيرانية، اُلقي القبض عليه من قبل السلطات واُجبر على الدخول في الخدمة العسكرية.

وسماحة السيّد ماجد الحسيني، وهو من ثوّار شعبان، ومن الطلبة البارزين في أحداثها في مناطق الحلة، وما تاخمها، وقد أبلى البلاء الحسن فيها،والتجأ إلى قم المقدسة، ولا يزال فيها حفظه الله تعالى وأيّده.

هؤلاء بعض تلامذة السيّدالشهيد الجلالي، وهناك الكثير منهم في العراق وخارجه يعملون بوظائفهم الدينية ونشر مبادىء أهل البيت(عليهم السلام).
نسأل الله تعالى أن يأخذ بثأره وينتقم من الظالمين بمحمّد وآله الأطهار(عليهم السلام).

 

دور دماء الشهداءفي انتفاضة شعبان

السيّد كامل – العراق
إنّ كلّ ثورة أو انتفاضة على الباطل، لا بد أن تستمد نهضتها من مبدء يدفعها نحو الهدف المنشود، وتبقى ثورة الطف – على مدى التاريخ الإسلامي – مشعلاً وقّاداً يحرّك الضمائر الحيّة ضد الظلم، كما تبقى الشهداء ثأراً يهتف باسمه عشّاق الجهاد والشهادة، وهذا ما شاهدناه باُمِّ أعيُننا فى الانتفاضة الشعبانية العظيمة عام ١٩٩١ م التي زلزلت عروش الظالمين في العراق الجريح، حيث شاهد العراقيون بأسرهم كيف رفعت صور للشهداء الأبرار في كافّة مناطق العراق.

وكذا الحال بالنسبة لمدينة القاسم(عليه السلام) والمدن والقرى المجاورة لها، حيث خرج أبناء تلك المدن رافعين صور الشهيد الجلالي(قدس سره) هاتفين: «يا لثارات الجلالي».

كما وضعت صورة كبيرة للشهيد الجلالي(قدس سره) على باب حرم القاسم(عليه السلام)وهذا يدلّنا على مدى عمق التأثير الذي تركه الشهيد الجلالي عند أبناء تلك المناطق التي كان يتردّد عليها خصوصاً منطقة القاسم(عليه السلام) حيث أن الناس أخذوا يتذكرون خطب الشهيد الرائعة ومواعظه الدينية وإرشاداته الاجتماعية مما جعلهم يرفضون الظلم ويتحركون ضد الباطل ويثورون لأخذ الثأر من الطغاة.

وهكذا كان لدم الشهيد الرباني السيّد الجلالي(قدس سره) الأثر الكبير في مشاركة أبناء تلك المناطق النجباء خصوصاً مدينة القاسم(عليه السلام) في الانتفاضة الشعبانية المباركة.

 

 

فقيد الإنسانية آية الله السيّد محمّد تقي الجلالي(قدس سره)

 

بقلم: أبي لقمان
المغفور له الشيخ محمّد رضا آل صادق [٨]
الحمد لله حقّ حمده والصلاة والسلام على محمّد رسوله وعبده وعلى آله الهداة من بعده واللعن المؤبّد على عدوهم ومثير نار حقده.

أما بعد فإنه يعزُّ عليّ – والله – أن أتحدّث عن مثل الشهيد السعيد السيّد محمّد تقي الجلالي رضي الله عنه وأرضاه وجعل الفردوس الأعلى منزله ومأواه ومستقره ومثواه.

هذا الرجل الذي خسرت بفقده الأمة الإسلامية إنساناً مجاهداً وأنموذجاً لكلّ مخلص بَرّ.

وإذا صحّ أن يطلق على من يهتمّ بأمور المسلمين ويعمل لله في السرّ والعلن ويتفقّد أحوال إخوانه المؤمنين، لالحاجة منه إليهم، بل تقرّباً لله وتعظيماً لشعائره، إذا صحّ أن يطلق على مثل هذا الإنسان بالجندي المجهول، فإنه هو الشهيد الجلالي تغمده الله برحمته ورضوانه.

فقد عرفته منذ سنوات دائباً على العمل في سبيل الله مكبّاً على الدرس والتدريس، وكنت أراه يحضر دروس الحوزة العلميّة خارجاً في النجف صباحاً، كما رأيته يقرّر أبحاث السيّد الخوئي ويمضي ليدرّس المكاسب والكفاية في جامعة النجف عصراً خلال أيام الدراسة، لايعرف النصب والتعب، وكان يستغلّ العطل الحوزوية وأيّام الخميس والجمعة ليمضي إلى مدينة القاسم(عليه السلام) من توابع الحلة في العراق ليؤدي دوراً آخر، حيث كان وكيلاً للمرجعية منذ زمن السيّد الحكيم(قدس سره) حتى مرجعية السيّد الخوئي – دام ظله – وكان قبل ذلك قد سكن القاسم عدّة سنوات.

وكان ذا همّة عالية تنمّ عن روح نشطة حيث أسّس في القاسم حوزة علمية، لها منهجها ودروسها وأساتذتها وطلابها، وقام بقسط وافر من تقريب علوم الحوزة الدينية إلى أذهان اليافعين بنشر كتب مبسّطة، كما طبع كتباً تعادل ما يقدّمه طلاب الجامعات لنيل درجة الماجستير والدكتوراه لا أقول ذلك إدّعاء أو مراءً، فبالمقارنة والموازنة ما بين كتب الشهيد الجلالي وكثير من كتب هؤلاء الجامعيين ترجّح كفّه (كتب الجلالي) على سواها، وهذه ميزة رجال العلم وأبناء الحوزة العلميّة الدينية.

وآثاره الخطيّة والمنشورة في مختلف الفنون تربو على خمسين كتاباً.
وكان مجاهراً بالحقّ حتى لو كلّفه حياته ونفسه الطيبة، ولعلّ استشهاده على أيدي الزمرة المجرمة من العفالقة الأنذال دليل على صحة مانقول.

وأرى أن أذكر هذه القصّة لورود مناسبتها في هذا المجال، والله المطلع على كل حال: قال لي أحد الأسرى العراقيين لدى زيارتي إيّاه في معسكر (برندك)[٩] عند معرض حديثه عن المرجعية الدينية في النجف، إنه كان يأتي من الشطرة[١٠] إلى السيّد الخوئي ليصفّي حساب سنته، وكان قد جعل يوماً معيّناً من السنة فكان يأتي النجف في الوقت الذي حدده رأساً لسنته، وكان موظّفاً في الدولة فكان السيّد يحيله على المرحوم السيّد الجلالي فيصفّي حسابه ويستخرج خمسه، ثم يقدّم له هدية رمزية مكافأة، ثمّ يهمس بإذنه قائلاً: «إيّاك أن تتعاطف مع البعثيين، فإن مصيرك إلى النار إن فعلت ذلك». يقول هذاالأسير: فكنتُ أعجبُ من كلامه كيف لايخشى عواقب ما يقول، وما يدريه لعلّي أتظاهرُ بالتديّن أمامه، مع أن الأسير قال: إنني أُخبرته بأني نصيرٌ في الحزب، وإنّ ظروفي اضطرّتني إلى ذلك.

ودرجة «نصير» لاينالها إلاّ من كانت له خدمة في الحزب عدّة سنوات.
هذا مثلٌ واحدٌ لأمثلة كثيرة لامجال هنا لسردها.
فالسلام عليك يا شهيدَ العلم، ويا شهيدَ الجهاد، ويا شهيدَ الفداء، يومَ وُلدت بأرض الجهاد، ويوم اُستشهدت بأرض الشهادة، ويوم تُبعث حيّاً في دار الخلود.

 

 

هكذا عرفتُ الشهيد سماحة السيّد محمّد تقي الجلالي
عندما كان في ناحية القاسم(عليه السلام)

بقلم: السيّد مختار الحسيني

كان الشهيد(عليه السلام) عالماً فاضلاً متواضعاً صاحب أخلاق عالية جداً، وكان مجاهداً بلسانه وقلمه.

كان(قدس سره) يستقبل الناس في المدرسة الدينية التي أسسها في مدينة القاسم(عليه السلام) وكان عمله لاينحصر في هذه المدينة، بل كان يخرج إلى المناطق المحيطة بها، ويرتقي المنبر لإلقاء المحاضرات الدينية، وقد قام(قدس سره) ببناء حسينية في قرية الإبراهيمية لإحياء المناسبات والشعائر الدينية، وجاء لزيارة قرية الحصين وكانت زيارته للقرية في وقت اُقيمت فيه مجالس العزاء الحسيني، فألقى الشهيد(قدس سره) محاضرة قيّمة، دعا شباب القرية إلى الالتفاف حوله(قدس سره) والتردّد على زيارته في مدينة القاسم(عليه السلام)لذلك تزامن اعتقال سبعة من الشباب المؤمنين في القرية، مع اعتقال الشهيد(قدس سره) ولم نعلم عن مصيرهم شيئاً لحدّ الآن، سوى شخص واحد، أما الستة الباقون فقد وصلتْ معلومات تفيد أنهم قد اُعدموا.

وكان لنشاط السيّد(قدس سره) الأثر البارز في انتفاضة شعبان ١٤١١ هـذلك أن المناطق التي كان يتردّد عليها الشهيد(قدس سره) خرجت بعد أن كسرت طوق الخوف كغيرها من المناطق والمدن العراقية، وقد رُفعت في تلك القرى صور للشهيد(قدس سره) ممّا دعا النظام إلى قصفها بالطائرات، ثم دخلها الجيش العراقي وقام بإحراق البساتين وقلع النخيل والأشجار المثمرة، لاسيما الواقعة على الشارع السياحي[١١].

والجدير بالذكر أن النداءآت في حسينيات تلك القرى كانت (يا لثارات الشهيد الجلالي).

إذ أن السيّد الجلالي كان له الفضل الكبير في تلك المناطق بإرشادهم وتوجيههم وتوعيتهم، وقد زرع الشهيد الجلالي بذرة الإيمان والجهاد، ولا زالت تقوم بدورها في الجهاد والعمل لخدمة الإسلام.
كل هذا بفضل السيّد المجاهد(قدس سره) وستبقى هذه الفئة تقاوم الظالمين حتى تأخذ بثأره إن شاء الله تعالى.

 

 

كلمات حق

ابو علي رضا الحسيني – قم المقدسة
بسم ربّ الشهداء والصدّيقين
(ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتاً بل احياء عند ربهم يرزقون)[١٢]
الشهادة صرخة الإنسانية، ودعوة السماء، وإمضاء حركة الأنبياء(عليه السلام)ونورٌ وضّاء، وشعلة وهّاجة، وحياة طيّبة، ووسام ربّاني خالد، ومنهاج قويم، ودرع حصين، وجُنّةٌ واقية، وجَنة باقية، وقد كرّم الله تعالى بها خاصة أوليائه، والمتّقين من عباده، فلاينالها إلاّ ذو حظٍّ عظيم، وممن حباه الله هذا الوسام العظيم، ووفّقه لنيل هذا الشرف الخالد، سيّدنا العالم العامل الحجّة الشهيد السيّد محمّد تقي الجلالي(قدس سره) الذي قدّم دمه الطاهر دفاعاً عن الدين، ونفسه الزكية تثبيتاً للحقّ، واعلاءً لكلمة الله جلّ جلاله.
ولا غروَ فقد وُلد هذا الرجل الكبير ونشأ في أرض الشهادة كربلاء، واستلهم منها ما للشهادة من معان وأهداف نبيلة، نعم لقد ترعرع شهيدنا الراحل في أرض الطفّ، تلك الأرض الطاهرة التي سُفكت عليها دماءٌ زاكيات، ونشأ في تلك البيئة التي ملؤها روح الشهادة والتضحية والفداء.
فتلقى علوم الدين فيها، ثم اتّجه إلى مدينة النجف الأشرف باب مدينة علم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فدخلها بتلك الروح الحسينية الطاهرة، وحضر دروس أساطين الفكر والعلم، واشتغل بالتدريس والبحث والتأليف، فكان مثالاً حيّاً للعالم العامل الذي أعطى العلم حقه، وعمل بما أملاه عليه علمه، وقام بجميع ما اقتضاه الواجب الشرعي.
فلم يرضَ من نفسه الانطواء والانزواء والانشغال بما يهمّه فحسب، بل كان يعيش هموم الآخرين ويعيش آلامهم، ويضطلع بخطوبهم، ويحمل أعباءَهم، ويرشدهم إلى سواء السبيل.
وكان في نفس الوقت الذي يسعى لرفع مستواهم المعيشي يسعى لرفع مستواهم الأخلاقي، والعقائدي، والتربوي، وكما قال الشيخ الإيرواني في قصيدة يرثيه بها:

خدم الشريعة فاستضاء بنورها *** قد عاش فينا سيداً ومفيداً
وأراد للإسلام عزّاً شامخاً *** لا أن يكون المسلمون عبيدا[١٣]

كان الشهيد(قدس سره) يمتلك شخصية فذّة متأطّرة بأبعاد إلهية سامية، ويتحلى بمهابة نادرة مجسداً معنى العالم الرباني.
وما تزال ذاكرتي ترجعني إلى سنيّ ما بين العاشرة والخامسة عشرة، وتوقفني على تلك اللحظات التي كنت أتشرّف فيها بلقائه سواء في النجف الأشرف أو في مدينة القاسم(عليه السلام) وما تزال مخيلتي ملؤها إشراقات تلك الطلعة البهية، والشخصية الخالدة، والابتسامة الأبوية والحنان الكبير الذي كان يواجه به جميع من يستقبله.
كان(قدس سره) ذا هيبة ووقار، مشرق الوجه، طلق المحيّا، مربوع القامة، كثّ اللحية، وقد شاع في العارضين منها شيب السنة الخامسة والأربعين، في وسط جبينه ثفنتان ظاهرتان من أثر السجود.
كان(قدس سره) رقيق القلب، مرهف الشعور، يهتاج لأدنى باعث، شديد الرضا وسريع الغضب في ذات الله، لايخرجه غضبه ورضاه عن الحقّ، ولاتأخذه في الله لومة لائم أو عذل عاذل.
كان(قدس سره) ورعاً عن محارم الله، محتاطاً في الشبهات كلّ الاحتياط في جميع اُموره وتصرّفاته وشؤونه، ولشدّة احتياطه(قدس سره) أعاد عبادة السنين الأوائل من التكليف، وكان يقول: لعلّ صلاتي خلال هذه السنين كانت فاقدةً لبعض الشرائط من قبيل طهارة المكان أو الثوب ونحوهما[١٤]. ولشدّة احتياطه – أيضاً – كان يتحاشى عن المال المشتبه فكان لايتصرف به بحال من الأحوال وإن وقع في يده بوجه شرعي، بل كان يتصدَّق به درءاً للشبهة، وعملاً بقولهم(عليهم السلام) من حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه.
فكان إذا أراد أبناؤه الذهاب إلى الحلاّق أعدّ لهم قدر أُجرة الحلاّق من دون زيادة، لئلاّ يرجع الحلاّق لهم الباقي من أمواله التى قد تكون مختلطةً بأموال كسبها من عمل فيه شبهة، وهو حلق اللحية.
وهذا يوقفنا بكلّ وضوح وجلاء ما كان عليه شهيدنا الفقيد من الورع التام، والاحتياط الكامل في اُمور الدين.
ولشدّة ورعه وتقواه كان رحمه الله يستخرج خمس كلّ شيء بمجرّد أن يمتلكه قبل أن يتصرّف فيه، فكان يخرج حتى خمس الكتاب الواحد بعد شرائه.&

الصلاة القادمة بتوقیت النجف الاشرف 22 صَفَر, 1441 هـ 2019October22 مـ

اتصل بنا

إذا كنت مهتمًا بالاتصال بنا ، فيمكنك الاختيار من النموذج أدناه وطرح سؤالك.
يمكنك أيضا الاتصال بأرقام الاتصال المدرجة.
  • عنوان المکتب
    العراق ، النجف الاشرف، شارع الامام زين العابدين عليه السلام، خلف فندق قصر الدر، زقاق صفوة، حسينيه الشهيد الجلالي
  • الهاتف والفاكس
    989128539097+ - 989356642749+